شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣٨ - حصيلئ البحث
عند خلق السماوات والأرض باللفظ والقول، فيخاطب المعدوم المطلق بلفظة «كن».
ولا شكّ أنّ هذا الاحتمال باطل جدّاً، إذ لا معنى لخطاب المعدوم. وما يقال في تصحيحه بأنّ المعدوم معلوم لله تعالى ـ فهو يعلم الشيء قبل وجوده، وأنّه سيوجد في وقت كذا ـ غير مفيد، لأنّ العلم بالشيء لا يصحح الخطاب الجدي، وإنّما المراد من الأمر في الآية كما فهمه جمهور المسلمين، هو الأمر التكويني المعبر به عن تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد الشيء، والمقصود من الآية: إنّ تعلّق إرادته سبحانه بشيء يستعقب وجوده، ولا يأبى عنه الشيء، وأنّ ما قضاه من الأُمور وأراد كونه، فإنّه يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء. وبذلك تقف على الفرق بين الأمر التكليفي التشريعي الوارد في الكتاب والسنّة، والأمر التكويني، فالأوّل يخاطب به الإنسان العاقل القابل للتكليف ولا يخاطب به غيره فضلاً عن المعدوم، وهذا بخلاف الأمر التكويني فإنّه رمز إلى تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد المعدوم.
وهذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يفسر الأمر التكويني بقوله: «يقول لمن أراد كونه، كن، فيكون لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».[١]
[١] نهج البلاغة: الخطبة ١٨٦.