بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٩ - أدلّة القائلين باعتباريّة الحسن والقبح
هو الكمال التكويني، وإلّا يسمّى كذباً ودَجلًا، حيث إنّ الاحترام منطوٍ ومتضمّن لنحوٍ من الإخبار، فإذا لم يكن الطرف كاملًا لا يكون الاحترام توصيفاً حقيقيّاً صادقاً، فالداعي الموجب له إن كان صادقاً حقيقيّاً يحكي عن الواقع فيكون صادقاً وإلّا كان كاذباً، وغاية من يحترم الكبار داعيه تقديس الكمال والحثّ على الكمال، لأنّ تقديسه للصفات الحقيقيّة العليا في العالم، لا لبدن العالم.
في تلك الموارد ليس الحسن بلحاظ الإنشاء في التعظيم، بل بلحاظ الداعي في التعظيم، والفعل دلالة إنشائيّة على ذلك بلحاظ الداعي، فهو نوع كمال تكوينيّ. مثلًا إذا خشع قلب المصلّي في صلاته خشعت جوارحه، فخضوع القلب الذي هو لازم خضوع العقل وهو مستلزم لخضوع الجوارح، فهذا تقديس للكمال وحثّ نحو الكمال؛ نعم القدسيّة للأباطيل سجن وأغلال يجب أن تكسر.
أمّا دعوى أن كلّ قدسيّ فيجب أن يصطدم معه لأنّ التقديس والتعظيم تحجير لمسير التكامل، فدعوى زائفة، لأنّ القدسيّة أي الخضوع والإنقياد صفة مهمّة كماليّة وبرهنت كماليّتها في كلّ الفلسفات عدا السفسطة. نعم، القدسيّة رهينة الحقيقة يعني الإنقياد، والتسليم إنّما هو للحقيقة لا لشيء آخر.
ثمّ إنّ الإنشاء وإن كان مجرّد اعتبار يوجده المنشئ، إلّاأنّه لا يكون إلّاعن داعٍ تكوينيّ، ولذا قسّموا الإنشاء بحسب الداعي والغرض إلى ثمانية أقسام، والداعي في موارد إنشاء المدح أو الذمّ هو إظهار كمال الممدوح ونقص المذموم، وأمّا إذا لم يكن لهذا الداعي، كما إذا كان لأجل مجرّد التصوّر والتخيّل- كما يلاحظ في الشعراء- فلا يصدق عليه عنوان المدح والذمّ، فإذا كان بذلك الداعي وتطابق ما أنشأه مع الواقع أي الكمال والنقص الواقعي المتصف به ذلك الموصوف، فإنّه يقال عن المادح أو الذامّ أنّه صادق، وإلّا كان كاذباً، ولذا كان الكثير من المدح والهجاء معدوداً في قسم الكذب والزور!