بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٧ - المسألة الثالثة
كما أنّ عليّ بن الحسن بن فضّال لم يرو عن أبيه مع أنّه أدرك أباه وقرأ عليه كتبه ولكنّه- لشدّة تثبّته- لم يروها واعتذر بأنّه عندما قرأها على أبيه كان حديث السنّ.
كما أنّ العديد من الثقات هُجرت رواياتهم، لمجرّد عدم الإطمئنان لتثبّتهم وضبطهم، حتّى أنّ ابن الجنيد الاسكافي تركت رواياته لمجرّد اعتماده على القياس، مع أنّ الاعتماد عليه إنّما يكون في الفقه والفتوى لا في الرواية، فتركوا رواياته مع وثاقته، لخطئه في الإجتهاد، وهو كما ترى إفراط في التثبّت.
والأشدّ من كلّ ذلك أنّ القمّيين طرحوا روايات يونس التي وصلتهم من طريق تلامذته، إلّاإذا وصلتهم بسند آخر عن غيره أو عنه من طريق غير تلامذته، وما ذلك إلّالاحتمال رواية تلاميذه عنه بعض فتاواه باعتقاد أنّها روايات.
ومن هذا التشدّد أيضاً ما نقله الشيخ الطوسي وغيره عن عدّة من الرواة أنّ العصابة أجمعت على تصحيح ما يصحّ عنهم، مثل ابن أبي عمير، والبزنطي وصفوان، والفضل بن شاذان، فإنّهم عرفوا بتجنّب الرواية عن الضعاف، وكانوا ملتزمين بالمقابلة والتثبّت وعدم الرواية إلّاعن الثقات، وكان ابن أبي عمير لا يروي عن العامّة، وذكر المجلسيّ الأوّل [١] أنّه تتبّع أحواله خمسين سنة فلم يجد في الضبط مثله! وهذا يدلّ على حالة فائقة من التثبّت والتشدّد آنذاك، حتّى رُموا بالإفراط في التشدّد في الرواية.
رابعاً: الكمّ الهائل من كتب الفهارس والرجال، وقد أحصى الكثير منها المحقّق الشيخ آغا بزرك الطهراني في «مصفّى المقال»، ويذكر هناك أنّ السيّد ابن طاووس قدس سره وحده كَتَبَ مائة مؤلّف ونيّف في الفهرسة والترجمة لرجال الحديث ممّا صنّفه المتقدّمون، وأنّه بدأ ذلك برجال الأزمنة السابقة من زمان
[١] في مقدّمة شرحه الفارسي على من لا يحضره الفقيه.