بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٢ - المقام الأوّل في إمكان التعبّد بالظنّ في تفاصيل العقائد
العقل العمليّ، والإيمان من سنخ الإذعان، ولذا تصدق عليه ماهيّة التسليم والإخبات والإنقياد القلبيّ، وهو مغاير للمعرفة بمعنى الإدراك والإنكشاف المجرّد، كما يشير له قوله تعالى (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) [١]، فإدراكهم المجرّد من دون التسليم والإذعان والإخبات لا ينطبق عليه الحدّ الماهويّ للإيمان، بل يصدق عليه كفر الجحود كما صرّحت به الآية الشريفة.
نعم، قد تُطلق المعرفة وتستعمل في ما يترادف مع الإيمان.
الثالث: بعد إذ تبيّن مغايرة الإدراك للإذعان ومغايرة المعرفة للإيمان، لا بدّ من الالتفات إلى كون الإذعان والإيمان لهما درجات تشكيكيّة بتبع ما للإدراك من درجات تشكيكيّة.
وعلى هذا الأساس يتصوّر من النفس الإذعان والبناء والتسليم والإنقياد لدرجة الإدراك الاحتماليّة، كما قد تسلّم النفس وتذعن لدرجة الإدراك الظنّي وكذا لدرجة الإدراك اليقينيّ، مثل موارد الإدراك لمحتملٍ ذي أهمّية خطيرة، فإنّ النفس تراعي ذلك الاحتمال وتنقاد وتذعن بالمحتمل، ولا تراعي الإحتمال القويّ المقابل.
كما إنّها قد تنقاد وتتابع الإدراك الظنّي، فما قد يوهمه كثير من كلمات الحكماء أو المتكلّمين- حيث قالوا: إنّ الإذعان والجزم لا يكون إلّامع اليقين أو العلم- يقبل الحمل على العلم بالمعنى الأعمّ الشامل لمطلق التصوّر والإدراك في مقابل الجهل المركبّ، لاخصوص التصديق والعلمالمركّب، ويشير إليه قوله سبحانه:
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ) [٢].
[١] النمل ٢٧: ١٤.
[٢] البقرة ٢: ٤٦.