بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٨١ - نظرة في كلمات ابن سينا
ففي صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:
«لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل، فأقبل. ثم قال له: أدبر، فأدبر. ثم قال: و عزتي و جلالي، ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك و لا أكملتك إلافي من أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى، و إياك أعاقب، و إياك أثيب» [١].
السبب الثالث: إنّ ابن سينا ألغى البرهان العيانيّ، مع أنّ الفلاسفة قبله مثل أرسطو والفارابي قسّموا البرهان إلى نوعين:
١- القياس المنطقيّ بأنواعه وأقسامه.
٢- البرهان العيانيّ، ومحور هذا البرهان هو الفعل الجزئيّ الخارجيّ وإنّما سمّي عيانيّاً باعتبار حضور المبرهَن عليه بنفسه عند المستدِلّ، وقد ألغاه ابن سينا هو ومَن جاء بعده من المناطقة والفلاسفة! ولكن متكلمّي الإمامية ذكروه وأصرّوا عليه اعتماداً على مرتكزاتهم الصحيحة (رضي اللَّه عنهم).
هذا وحيث أنّ المتأخّرين لم يتعرّضوا لذكر هذا البرهان من قريب ولا بعيد، فمن المناسب إلقاء بعض الضوء عليه، فنقول:
يتمّ تشكيل النفس لهذا البرهان وإدراكها لنتيجته في مرحلتين:
أ- إدراك الكلّيات المبرهنة.
ب- إدراك النفس لأحوال الجزئيّات بتوسّط قوّة الفطنة، فإذا أدركت الفطنة حال الجزئيّ، قامت بتطبيق الكلّيات المناسبة على الجزئيّات، والفطنة هي قوّة التروّي والتثبّت في استصدار الأفعال الإرادية عن داعٍ موافق للحكمة.
وبعبارة اخرى: إنّ الجنبة المشرفة على القوى العمليّة الدانية في النفس هي
[١] الكافي: ١: ١٠، الحديث ١.