بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٨ - نظرة في كلمات ابن سينا
تكون من موادّ القياس [١]، في حين أنّه- في قسم الطبيعيّات من نمط النفس [٢]- اعترف أنّ قضايا العقل العمليّ يمكن البرهنة عليها، وأنّ موادّها قد تكون مشهورات وقد تكون أوّليات- أي يقينيّات- وحينئذ فيمكن الاستدلال عليها ويكون لها واقع.
وذكر في «الشفاء» أنّها قابلة للبرهنة عليها [٣] وأنّها تصير عقليّة حينئذ.
كما ذكر في أواخر «الشفاء» [٤]: أنّ أكثر ما يقرّ به الجمهور فهو حقّ وإنّما يدفعه هؤلاء المتشبّهة بالفلاسفة جهلًا منهم بعلله وأسبابه. وهذا التعبير مناقض جدّاً لما ذكره أنّ قضايا الحسن والقبح مشهورات، وأنّ المشهورات لا واقع لها سوى اعتبارها العقلائيّ!
وكيف كان، فقد تأثّر المتأخّرون بمذهب ابن سينا وإيهامه أنّه مذهب الفلاسفة فذهبوا- أكثرهم- إلى اعتباريّة المشهورات، وأنّها لا يمكن البرهنة عليها أصلًا ونسبوا ذلك إلى الفلاسفة.
نعم، ذهب الحكيمان الكبيران اللاهيجي والسبزواري إلى أنّ الحسن والقبح تكوينيّان. فقد أنكرا توهّم اعتباريّة الحسن والقبح عند الفلاسفة، ونسبا إليهم تكوينيّتهما وفسّرا تمثيل الفلاسفة للمشهورات بالحسن والقبح بأنّ القضيّة الواحدة قد تدخل في أكثر من واحد من أقسام الموادّ الثمان. فمسألة الحسن والقبح- من جهة تطابق العقلاء عليهما وشيوع الإذعان بهما- تدخل في
[١] منطق الشفاء وغيره من كتب ابن سينا المنطقيّة.
[٢] الإشارات: ٢: ٣٥٢، النمط الثالث.
[٣] الشفاء: مجلد الطبيعيّات، كتاب النفس ص ٣٠.
[٤] الشفاء: ٤٣٥، الفصل الأوّل من المقالة العاشرة.