بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٤ - أدلّة القائلين باعتباريّة الحسن والقبح
والقبح أمراً بديهيّاً لا أنّه ليس حقيقيّاً، لأنّ النظريّ أيضاً لا يقضي به العقل ابتداءاً ككيفيّة صدور أفعال البارى عنه تعالى، مع أنّ الحق هو حكم العقل بذلك وليس حكمه متقوّماً بحالة الإجتماع البشريّ، بل يقضي في نفسه بأنّ الصدق حسن أو الكذب قبيح وهكذا.
وأمّا الدليل الرابع: فجوابه أنّ قضاء العقل بالحسن والقبح ليس متقوّماً بالمجتمع البشريّ، ولذلك إنّ الملائكة مع عدم وجود القوى الحيوانيّة فيهم ومع أنّ حياتهم ليست حياة اجتماعيّة مدنيّة وإنّما ارتباطهم تكوينيّ، فإنّها تتأثّر وتتنفرّ من مظالم العباد، والملك وجود عقلانيّ يتأثّر من الظلم ويستحسن الحسن فكذلك الإنسان يحكم بهما بعقله لا بسبب حالته الاجتماعيّة.
ولأجل ذلك عبّر سبحانه في كتابه المجيد عن إبليس (مَذْؤُماً مَدْحُوراً) [١]، مع أنّه لا يفترض وجود مجتمع بين اللَّه تعالى وإبليس، لكي يُذمّ إبليس من قبل ذلك المجتمع العقلائي، أو أنّ معرفة إبليس لذلك الذمّ كان بواسطة اعتبار العقلاء، كما لا يفترض للملائكة مجتمع عقلائيّ وإنّما هم عليهم السلام وجودات عقلانيّة، وكلّ ما يصدر هناك فهو تكوينيّ لا غير! ومن هذا القبيل قوله تعالى (وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) [٢]، فإنّ السكوت في مقابل النطق وهو أمر عقليّ، ولم يعبّر بالسكون الذي هو مقابل الحركة لأنّها خاصّية الحيوان ممّا يدلّ على أنّ غضبه عليه السلام وعدمه كان عقليّاً إلهيّاً لا حيوانيّاً.
كما أنّ ذلك الإنسان- المفترض- لو رأى معونة إنسان كبير لطفل عاجز لَحَكم عقله بحسن ذلك، كما أنّه لو رأى ضرب ذلك الكبير للطفل بلا سبب لحكم عقله
[١] الأعراف ٧: ١٨.
[٢] الأعراف ٧: ١٥٤.