بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٣ - أدلّة القائلين باعتباريّة الحسن والقبح
والقبح التكوينيّان.
وثانياً: إنّ الاختلاف ممكن حتّى في البديهيّات لأنّ في النفس البشريّة صحّة وسقم في كلّ مراتبها، سواء مرتبة القوى الإدراكيّة أو مرتبة القوى العمليّة، فالشكّ وعدم الإحراز مهما قويت الأدلّة مرض في الإدراك، والتشكيك والرفض وعدم الإذعان مرض في القوى العمليّة، ولذا أجمع علماء المنطق على أنّ اللجاج والعناد إذا استمرّ في الإنسان كان مرضاً في عقله العمليّ، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم ب (الطبع) على القلوب والصمّ والبكم- أي العقليين- والاختلاف الحاصل من ذلك لا يضرّ ببداهة البديهيّ أصلًا.
وثالثاً: إنّ بعض الاختلاف ناشئ من مراعاة المصالح المادّية لا من الاختلاف الحقيقيّ في النظريّة ولا في التطبيق، كما هو الملحوظ في بعض الفلاسفة المادّيّين الذين يقصدون من وراء إشاعة الخلاف الوصول إلى مآربهم السياسيّة أو المادّيّة وليسوا مخالفين حقيقة، فهم مخالفون منكرون لنظريّتنا باللسان وقلوبهم عالمة مذعنة بصحّة ما نقول، لأنّ عقولهم أسيرة للهوى والقوى الدانية
«كم من عقل أسير تحت هوى أمير»سند، محمد، بحوث قراءة النص الديني، ١جلد، باقيات - قم - ايران، چاپ: ١، ١٤٣٠ ه.ق.
[١].
ومثل هذا الاختلاف لا ينبغي أن يعدّ خلافاً لأنّ الخلاف إنّما يقع في ما بين العقلاء الذين يعملون بعقولهم ويستنيرون بها، لا في ما بينالعقلاء وغيرهم (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [٢].
وأمّا الدليل الثالث: فلو سلّمنا به، فغاية ما يدلّ عليه هو عدم كون الحسن
[١] نهج البلاغة: ٥٠٦.
[٢] الفرقان ٢٥: ٤٤.