بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩١ - أدلّة القائلين باعتباريّة الحسن والقبح
ولكن وجود هذه اللفظة غير وجود ذلك الإنسان!
والخلط بين التفكيك في الوجود وبين التفكيك في الهويّة هو الذي أوقع الخصم بدعوى اعتباريّة المدح والذم، إذ كيف يكون وجود المحكيّ تكوينيّاً ولا يكون وجود الحاكي تكوينيّاً أيضاً مع أنّ المعنى الذهنيّ لا يكون ارتباطه بالخارج وكشفه اعتباريّاً، بل إنّ إراءة المعنى الذهنيّ لا يمكن أن تكون إلّاإراءة تكوينيّة، كيف ومجال الاعتبار منحصر في المحكيّ دون الحكاية والحاكي [١].
نعم، لابدّ من الالتفات إلى أنّ الوجود التكوينيّ يمكن إيجاده بوجود آخر اعتباريّ زيادة على الأوّل! بل لعلّ أغلب الموجودات التكوينيّة لها وجودات اعتباريّة أيضاً؛ فهذا الكتاب له وجود تكوينيّ هو الذي بين يديك، وله وجود اعتباريّ هو الوجود اللفظي بقولك (الكتاب)، وله وجود ثالث هو الكتبيّ إذا كتبت هذه الكلمة. ولا ريب أنّ الوجود اللفظيّ والكتبيّ لهذا الموجود الخارجيّ هو وجود اعتباريّ له، لا عين وجوده الخارجيّ.
وكذا كلّ ما حولك من أشياء، لها وجود تكوينيّ ووجود اعتباريّ بأسمائها، بل حتّى وجود اللَّه سبحانه لا ينافي الوجود الاعتباريّ الجعليّ للتعبير عنه سبحانه من خلال الألفاظ والكتابة والإشارة، لأنّ البشر يحتاجون في التفاهم إلى إحضار المعاني إمّا بوجودها التكوينيّ أو الاعتباريّ، ولكن الوجود الاعتباريّ لا يعني صيرورة التكوينيّ اعتباريّاً، بل يعني إضافة وجود آخر له.
ولهذا فنحن لا ننكر إمكان وجود الحسن والقبح الاعتباريّ- إذا دعت الحاجة
[١] لأنّ الحكاية دائماً بلحاظ أمر تكوينيّ، وهو الاتّحاد في الهويّة والمفهوم، والحاكي أيضاً له وجود تكوينيّ، سواء كان بالوجود التكوينيّ للكمال أو النقص، أم اللفظيّ، أم غير ذلك بحسب الحاكي للكمال.