بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٢ - أدلّة القائلين باعتباريّة الحسن والقبح
إلى ذلك- كسائر الموجودات التكوينيّة، فإنّها تصلح لإيجادها بوجود آخر إعتباريّ، ولكنّ الذي ننكره هو دعوى انحصار وجودهما بالإعتبار لقيام الدليل على وجودهما التكوينيّ، فمثلًا المدح بقصد الإنشاء في قولك: سبحان اللَّه أو الحمد للَّه، له وجود اعتباريّ بلحاظ هذا الإنشاء والاعتبار، ولكنّه لا ينافي النزاهة الواقعيّة والكمال الإلهيّ الذي أوجب المدح الواقعيّ بإيجاد النعمة والتصرّف بالتدبير والحكمة.
وقد تبيّن أنّ وجود المخلوق الحَسَن مدح تكوينيّ لخالقه، وآية من آيات كماله ومجده وعظمته!! فكيف يصحّ اطلاق القول بأنّ المدح والذمّ اعتباريّان لا تكوينيّان!؟ بل هما تكوينيّان، وربّما يكون لهما وجود اعتباريّ أيضاً.
وأمّا الدليل الثاني- للقائلين بالاعتباريّة وهو أنّ الحسن والقبح لو كانا عقليّين لما وقع الاختلاف فيهما بحسب الزمان والمكان والمعتقدات والتقاليد- فجوابه:
أوّلًا: إنّ هذا الاختلاف لا ينافي تكوينيّة وعقليّة هذه المسألة، فإنّ كثيراً من الخلافات تقع على القضايا الحقيقية التكوينية كما في اختلاف الأطبّاء في العديد من الأدوية، وأنّها نافعة أو ضارّة؟ أو أنّ نفعها أكثر من ضررها أو بالعكس؟ مع أنّ الواقع واحد لا يتغيّر ولا يختلف، وهو كون الدواء نافعاً أو ضاراً ولو بنسبةٍ مّا.
وكذلك إذا كان الاختلاف لأجل اختلاف الظروف، فإنّ مرجعه في الحقيقة إلى اختلاف الموضوع! وبالتالي عدم الاختلاف مثل أن يقول زيد (الحائط أبيض) وأنت تقول (الباب أسود) فإنّه ليس اختلافاً حقيقة.
ومن هذا القبيل الكثير من مسائل الحسن والقبح باختلاف الظروف، فإنّ الكذب يكون حسناً في بعض الحالات، بينما يكون قبيحاً في حالات اخرى، وهذا لا يعني الاعتبارية، بل اختلاف الظرف تكوينيّ، وبتبعه يختلف الحسن