بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٥ - المقام الأوّل في إمكان التعبّد بالظنّ في تفاصيل العقائد
هو إمكان تحقّق الإيمان بدرجة الإحتمال، وتَترتّب عليه النجاة كما هو مفاد الآيات المتقدّمة.
وإذ اتّضحت هذه الأمور الثلاثة، يتّضح أنّ كلّاً من البيان أو المعرفة أو الإدراك مغاير للإذعان والإيمان، وأنّ كلّاً منهما مغاير للفحص؛ فللنفس أفعال ثلاثة:
فحص، فإدراك، فإذعان. كما اتّضح أيضاً إمكان تحقّق الاعتقاد الظنّيّ، بل الإذعان الاحتماليّ والتسليم الرجائي، ويترتّب على ذلك أنّ ما يقال من أنّ وجوب المعرفة يتعيّن كونه عقليّاً محضاً، إن اريد به وجوب الفحص فهو تامّ لا غبار عليه، إذ لا يمكن افتراض تشريعه قبل معرفة التشريع، للزوم الدور، وكذا الحال إذا اريد منه وجوب الإدراك والبيان [١].
وأمّا إن اريد منه الإذعان والتسليم والإيمان، فلا مانع من تصوير التشريع والتكليف به وإن كان المتعلّق هو أوّل اصول الدين وهو التوحيد، بل التشريع نافع في ذلك كما عرفت، ولذا ورد التعبير عن الإيمان بالتوحيد بأنّه (أوّل الفرائض) و (أكبرها) من دون لزوم الدور أو الخُلف، لأنّ من فحص بإلزام من عقله وأدرك وجود الباري والخالق عزّ وجلّ، وأدرك قدرته اللامحدودة، وأدرك أنّ له إرادة ورغبة بأن يؤمن الإنسان ويذعن به تعالى، فإنّه لا يلزم من ذلك دور ولا خلف، بل يكون أدعى لتحريكه إلى الإيمان، على ما تقدّم من أنّ الترغيب والترهيب علاج للقوى العمليّة في تحقيق متابعة مدركات القوى النظريّة، ويشير إلى هذا التفكيك في معنى المعرفة ما ورد في الروايات، كما عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
«ليس لله على خلقه أن يعرفوا قبل أن يعرفهم، و للخلق على الله أن يعرفهم
[١] أقول: لا موجب لذكر هذه المفردة (البيان)، إذ لا يتوهّم أحد وجوب البيان على المكلّف، بل البيان لطف للمكلّف.