بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٦ - المقام الأوّل في إمكان التعبّد بالظنّ في تفاصيل العقائد
ولله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوه» [١].
فإنّها تصرّح بلزوم القبول والتسليم والإذعان بعد الإدراك والمعرفة، فهي تفكّك بينهما.
وفي اخرى عن عبد الأعلى [٢]: «قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: أصلحك اللَّه، هل جُعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟
قال: فقال: لا.
قلت: فهل كُلِّفوا المعرفة؟
قال: لا، على الله البيان (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) [٣]، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) [٤].
فإنّها دلّت على أنّه تعالى يكلّف النفوس الإيمان والإذعان بعد ما آتاها الإدراك والبيان، ومنها التوحيد [٥]. ومن ثمّ يظهر أنّ ما ورد في الشريعة كثيراً ما ظاهره
[١] التوحيد: ٤١٢، باب التعريف والبيان والحجّة والهداية.
[٢] التوحيد: ٤١١، باب التعريف والبيان والحجّة والهداية.
[٣] البقرة ٢: ٢٨٦.
[٤] الطلاق ٦٥: ٧.
[٥] أقول: قد يعترض على هذا المطلب من جهتين:
١- التشكيك في التفكيك بين الإذعان من جهة والتصوّر والتصديق من جهة اخرى. ٢- بعد التسليم بالتفكيك المذكور، فالتكليف بالإيمان إن اريد به الإرشاديّ، فلا ممانعة منه، لكن لا أظنّ أن يمنعه أحد! وإن اريد به المولويّ، فإنّ الحكم العقليّ بلزوم دفع الضرر المحتمل يغني عنه فلا أثر له، لأنّ داعويّته ومحرّكيّته تكتمل بحكم العقل، وبدونه لا محرّكيّة له. ومع حكم العقل لا أثر له إلّاالتذكير زائداً على الإرشاد إلى حكم العقل، ولا دلالة فيما ذكر من الآيات والروايات على أكثر من ذلك.» «ويمكن الجواب عن كلتا المناقشتين، أمّا الاولى فتندفع بالتأمّل في الأدلّة السابقة التي ذكرها شيخنا الاستاذ على التفكيك المذكور، ولا معنى للتشكيك من دون دفع تلك الأدلّة. وأمّا الثانية فقد اشير للجواب عنها في ما تقدّم، وتوضيح دفعها بالنقض والحلّ، كما يلي:
أمّا النقض، فهو أنّ وجوب شكر المنعم وحده كافٍ لحكم العقل بلزوم طاعة اللَّه تعالى وامتثال أوامره، لكن حكمة اللَّه تعالى اقتضت أن يضاف إلى ذلك، الترغيب بالجنّة وأنواع الثواب على الطاعة، والترهيب بالنار وأنواع العقاب على المعصية، فهل يصحّ القول بأنّ هذا الترغيب والترهيب بلا ثمرة ما دام وجود شكر المنعم كافياً للمحرّكيّة. والحلّ هو أنّ الحكم العقليّ- عند الاصوليّين- مدرك لا آمر ولا ناهٍ، ومن ثمّ قالوا: إنّ إدراكه يتطابق مع الحكم الشرعيّ، لأنّه عند إدراكه العقوبة على المخالفة أو الترك ويدرك المثوبة على الفعل، فقد أدرك المولويّة، ولا معنى للمولويّة غير ذلك؛ لأنّ قوام المولويّة بإرادة المولى- التكوينيّة التي تترتّب عليها المثوبة والعقوبة-. على هذا، فما يدركه العقل هو نفس المولويّة الشرعيّة التي ليس المدار فيها على الاعتبار الشرعيّ ومجرّد الإنشاء، بل مبادئ ذلك الاعتبار والإنشاء، وهي الإرادة المولويّة المترتّب عليها المثوبة والعقوبة. فالإرشاد إنّما يكون في موارد مثل وجوب الطاعة ووجوب العلم بالامتثال، وهي الأحكام الشرعيّة التي تكون معلولة للحكم المولويّ- كما أفاده النائيني- أمّا إذا كان للأمر فائدة فوق ذلك كزيادة الترغيب في تحريك المكلّف إلى الطاعة فلا يكون إرشاديّاً.
بل حتّى إذا طابق الحكم الشرعيّ الحكم العقليّ يكون من قبيل إدراك العقل لنفس مفاد ذلك الحكم المولويّ، ولا يقلب ذلك الحكم عن كونه مولويّاً.
والملحوظ أنّ الشارع المقدّس لم يقتصر على محرّك واحد للامتثال والإطاعة، وإلّا فإنّ وجوب شكر المنعم كافٍ للبعث والتحريك، لكنّ الشارع جعل معه الترهيب من العذاب الأليم، وهذا محرّك كافٍ للبعث لوجوب دفع الضرر المحتمل، ولم يكتف الشارع بذلك بل جعل الترغيب بالجنّة وأنواع الثواب، ولم يقتصر الشارع على ذلك أيضاً، بل جعل» «الثواب على كلّ مقدّمة من مقدّمات الواجب أو المستحبّ.
هذا كلّه مع أنّ الاصوليّين صرّحوا بأنّ الأصل في الأمر، المولويّة لا الإرشاد، ومع احتمال وجود الداعي المولويّ للبعث- ولو لأجل اهتمام الشارع بتحريك العباد إلى الطاعة- يتعيّن حمل الأوامر على المولويّة، إلّامع قيام الدليل على خلاف ذلك.