بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٩ - نظرة في كلمات ابن سينا
المشهورات، ومن جهة قيام البرهان عليهما تدخل في الواقعيّات البرهانيّة ومن جهة وضوحهما وبداهتهما لكلّ عقل سليم تدخل في البديهيّات.
ومن هذا القبيل قضيّة التوحيد؛ فإنّها من جهة التسالم عليها تدخل في المقبولات ومن جهة قيام البرهان عليها تدخل في القضايا الواقعيّة البرهانيّة، والنظر إلى القضيّة من جهةٍ مّا وإدخالها في صنف من الموادّ الثمان لا يعني عدم دخولها في مادّة اخرى، وهذه اللفتة الجميلة من هذين الحكيمين الجليلين مهمّة جدّاً في تفسير الكثير من تداخل القضايا بتعدّد النظرة إليها!
هذا ويمكن أن يعزى عدول ابن سينا عن مذهب الفلاسفة قبله إلى عدّة أسباب:
الأوّل: تأثّره بمسلك الأشعريّ وتصويره لدعوى اعتباريّة الحسن والقبح، وقوّة شبهة الأشعريّ من جهة أنّ هذه المسألة لو كانت بديهيّة لما أنكرها جماعة من المتكلّمين!
وهنا لابدّ لنا من وقفة عند هذه المغالطة وملاحظة تأريخها، فهذه المغالطة ليست من ابتكارات الأشعريّ، بل أوّل من قال بها السوفسطائيّون، كما صرّح بذلك سقراط، وقام سقراط بدفعها- كما في بعض كتبه المترجمة المطبوعة حديثاً- ومنشأ وجود السفسطة وانتشارها آنذاك شدّة الأوضاع الاقتصاديّة وطغيان الأثرياء وسعيهم وراء تحصيل مآربهم وأغراضهم المادّية الدنيئة، فحاولوا تضييع القيم والأخلاق وحاربوا الدين، وأشاعوا فكرة أنّ كلّ المآسي والمشاكل ناتجة من الدين، فأسّسوا مدارس عديدة لدراسة الجدل والمغالطة ونشروا نظريّة (أنّ الخُلُق مصلحة نسبيّة بحسب الأشخاص والظروف) وأنّ ما يشاع من القيم والأخلاق هو من ابتداع رجال الدين ليتسلّطوا على الناس، كما أنّ