بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٠ - المقام الأوّل في إمكان التعبّد بالظنّ في تفاصيل العقائد
فالإدراك والتصوّر بقسميه فعل للقوى الإدراكيّة للنفس، بينما الإذعان هو فعل للقوى العمليّة في النفس، وحقيقة هذا الإذعان هو قيام النفس بدمج صورتي المحمول والموضوع في صورة واحدة، فإذا دُمجتا معاً يكون ذلك إذعاناً، نظير الصورة الحسّيّة التي تدركها النفس، حيث أنّ هذه الصورة المحسوسة البديهية هي عبارة عن موضوع وعدّة محمولات أذعنت النفس بثبوتها للموضوع، فتدركها في صورة واحدة مندمجة.
فالدمج فعل نفسانيّ عمليّ متعلّقه الإدراك، ولذا يقال أيضاً: إنّ الإدراك فعل قوّة العقل النظريّ، والدمج والإذعان فعل قوّة العقل العمليّ، وكلّ من هذين الفعلين اختياريان للنفس، وإن كان الإدراك من نمط الانفعال، والإذعان من نمط الفعل والإيجاد، إذ باختيار الفحص بين المعلومات والمجهولات تتهيّأ النفس لإدراك المقدّمات ومن ثمّ إدراك النتيجة، ثمّ إذا شاءت تقرّ وتذعن بتلك النتيجة.
والنفس في الحالات السليمة من الأمراض الإدراكيّة، والصفات العمليّة، تقوم بهذين الفعلين باسترسال طبيعيّ موافق لفطرتها، فلكلّ من القوّتين الإدراكيّة والعمليّةأدوات تقيها وتصونها عن تلك الأمراضالعائقة لهما عن ممارسة فعلهما.
ومن الأمراض الإدراكيّة حبّ الشيء أو بغضه، ففي الخبر
«حبك للشيء يعمي و يصم
» [١]، أي أنّه يمنع من الإدراك السليم.
ومن المقرّر في علم النفس أنّ الترغيب والترهيب، من الأدوات المعالجة للقوى العمليّة وغالب الأمراض الإدراكيّة نابعة من الأمراض العمليّة. ومع ذلك، فالإدراك السليم بمفرده إذا قامت به القوى الإدراكيّة لا يكفي لقيام النفس وقوى العقل العمليّ بالحكم والإذعان، إذ قد تبتلى النفس بصفات وهيئات رديئة تعيقها
[١] من لا يحضره الفقيه: ٤: ٣٨٠، الحديث ٥٨١٤.