بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥١ - المقام الأوّل في إمكان التعبّد بالظنّ في تفاصيل العقائد
عن ذلك، كما يشير إليه قوله تعالى: (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) [١].
وقوله عزّ وجلّ: (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ) [٢].
ولذا قال الحكماء: إنّ البرهان وحده لا يكفي لتحقيق الإذعان بالنتيجة، ولم يعدّوا الفيلسوف حكيماً حتّى يكون مرتاضاً وسالكاً طريق تهذيب النفس، بل قال شيخ الإشراق- السهروردي-:
«إنّه لا يكون حكيماً إلّاإذا اقتدر على خلع النفس عن بدنه».
فهم يلحظون في ذلك أنّ (الإدراك التامّ المطابق للواقع) كما هو تعريف الحكمة، لا يتحقّق مع ممانعة النفس عن الوصول إلى الحقائق.
فالبرهان ليس علّة فاعلية تامّة للنتيجة، بل هو علّة مُعدّة قريبة جدّاً لإفاضة النتيجة، والعلمُ اليقينيّ إنّما هو من إفاضة العوالم العلويّة، فلابدّ من عدم المانع من الإفاضة، ورفعُ المانع إنّما يتمّ بتهذيب النفس وترويضها لكي تتقبّل الحقّ وتذعن به. ومن الواضح أنّ الترهيب والترغيب طريق إلى ذلك، وهو متولّد ومسبّب عن الحكم والتكليف الشرعيّ.
الثاني: أنّه لا يخفى أنّ الإيمان ليس من سنخ الإدراك المجرّد كفعلٍ لقوّة إدراكيّة، بل هو فعل علميّ من قوّة العقل العمليّ، كما هو سنخ أفعال العقل العمليّ وهي أفعال ليست عمليّة بحتة ولا إدراكيّة بحتة، بل فيها كلّ من الجنبتين، كما تقدّم في الأمر الأوّل، وأنّ الإذعان وإن ارتبط بإدراك القضايا إلّاأنّه من فعل
[١] النمل ٢٧: ١٤.
[٢] الروم ٣٠: ١٠.