تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٢٢ - ٤٦٨٢ ـ عروة بن حزام بن مهاصر ، ويقال بن حزام بن مالك أبو سعيد العذري
| فما تركا من رقيّة تعلمانها | ولا سلوة إلّا بها سقياني | |
| فقالا : شفاك الله والله ما لنا | بما حمّلت منك الضلوع يدان |
قال : ثم شهق شهقة خفيفة ، فنظرت فإذا هو قد مات ، فقلت : أيتها العجوز ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلّا قد مات ، فقالت : نفسه والله نفسه ثلاث مرات ، فدخلني من ذلك ما لا يعلمه إلّا الله ، واغتممت وخفت أن يكون موته لكلامي ، فلما رأت العجوز جزعي قالت : هوّن عليك ، فإنّه قد مات بأجله واستراح مما كان فيه ، وقدم على رب غفور ، فهل لك في استكمال الأجر ، هذه الأبيات منك غير بعيد. تأتيهم ، فتنعاه لهم ، وتسألهم حضوره فاسترحت إلى قولها ، ووثبت فركبت فأتيت أبياتا منهم على قدر ميل ، فنعيته إليهم وحفظت الشعر ، فجعل الرجل بعد الرجل يسترجع إذا أخبرته ، فبينما أنا أدور إذا بامرأة كأنها الشمس طالعة ، فقالت : أيها الناعي بفيك الكثكث [١] ، بفيك الحجر ، من تنعي؟ قلت : عروة بن حزام ، قالت : بالذي أرسل محمّدا بالحق واصطفاه بالنبوة هل مات؟ قلت : نعم ، قالت : ما ذا فعل قبل موته؟ فأنشدتها الشعر ، فو الله ما نهنهت أن قالت [٢]
| عداني [٣] أن أزورك يا خليلي | معاشر كلهم واش حسود | |
| أشاعوا ما سمعت من الدواهي | وعابونا وما فيهم رشيد | |
| فأما إذا ثوبت اليوم لحدا | ودور الناس كلهم لحود | |
| فلا طابت لي الدنيا فواقا [٤] | ولا لهم ولا أثري عديد [٥] |
ثم مضت معي ومع القوم تصيح وتولول حتى انتهينا إليه ، فغسّلناه وكفّناه وصلّينا عليه وقبرناه. فجاءت فأكبت على قبره.
وحركت مطيتي ، وقدمت الشام ، فدخلت على يزيد بن معاوية ، فدفعت الكتاب ، وأخبرته بالأمر الذي قدمت له : فسألني عن أمور الناس وقال لي : هل رأيت في طريقك شيئا تحدثني؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، رأيت عجبا من العجب. وحدثته الحديث ، فاستوى
[١] الكثكث : دقاق التراب وفتات الحجارة ، وقيل : التراب مع الحجارة.
[٢] الأبيات في عيون الأخبار ٤ / ١٢٩ ونهاية الأرب ٢ / ٢٠١ ط. دار الكتب المصرية.
[٣] عداني : صرفني وشغلني.
[٤] الفواق بالضم والفتح : قدر ما بين الحلبتين من الوقت.
[٥] في عيون الأخبار : العبيد.