تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٨٩ - ١٣٣٣ ـ الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك أبو علي الحصاري الكاتب
ففعل أبو بكر ذلك ، فجاءه الحسن فأقرأه توقيع أبي الصقر إليه في أمر القدح فقال : قد كان عندي القدح وانكسر. فكتب أبو بكر إلى أبي الصّقر بذلك ، فأجابه أن مثل هذا القدح إذا انكسر. لم يرم بزجاجه فليحضره مكسّرا على أني أعلم أن هذا القول إخبار منه فعده عني الإحسان إن أحضره وتواعده بالإساءة إن أخره ، فأقرأه التوقيع وما كتب فيه ، وقال له : والله يا ابن أخي ما أرى لك أن تمنعه من ولد لك لو طلبه منك فضلا عن عرض لا قدر له سيما مع هذا الوعيد ، فقال : أنا أحضر القدح على شرط قال : وما هو؟ قال : اكتب معه أبياتا من الشعر تنفذها مع القدح إليه ، قال : فافعل ، فأخذ دواة وكتب إلى منزله وأنفذ له القدح وكتب :
| سلّم على أربع بالكرح نقلاها | من أجل جارية فيهن نهواها | |
| تمكنت نوب الأيّام منك بها | والدهر إن أسلف الحسنى تقضاها | |
| يا بؤس قلبك ما أقصى مراميه | وشجو نفسك ما أدنى بلاياها | |
| وحليب عيش مضى ما كان أنعمه | أيام أيامنا فيه نملاها | |
| أشكو إليك أبا بكر شجي بهوى | أطعته من صبا نفسي فعاصاها | |
| فأسعد الصب إن كنت امرأ غزلا | وأعطف على ذي البلا إن كنت أوّاها | |
| قد جاءك القدح المسلوب بهجته | مذ حيل دون التي أدنت له فاها | |
| حكى تورد خديها وتفضله | لعجز ما صنعه أن يحكي الله | |
| عهدي به في يد [١] حسناء قد نظمت | عليه من لؤلؤ سمط ثناياها | |
| فالكف حمراء مما قد تخطّفها | والراح عرى مما قد تلقاها | |
| خذه إليك عزيزا أن يجاد به | لو أن أخرى ليالينا كأولاها | |
| لكن ضلة رأي أن أرى كلفا | بغادة نشبت في الغدر كفّاها | |
| أو صائنا قدحا مسّته ريقتها | وقد ترشّفها غيري وفداها | |
| فإن تفتنا بها الأيام مرغمة | عمدا ويسعد فيها الدّهر مولاها | |
| فقد جرى بيننا ما ليس نذكره | إلّا تنغص دنياه ودنياها |
وجاء بهذا الشعر إلى أبي بكر فلما قرأه قال : أين يذهب بك والله لأوقف الوزير عليه ولأنفذنه إليه وجيء بالقدح وكتب إلى أبي الصقر رقعة جميلة يقول فيها إن الحسن
[١] الأصل : يدي.