خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٩٣ - التّورية
و قد علم أنّ المتأخّرين من الفاضل إلى من فضل بعدهم نور مشكاتها، و المتفكّهون في أدواح الأدب بثمراتها، فإذا جليت عرائس [١] أفكارهم على اختلاف أنواع التورية لا يملّ المتأمّل، اللّهمّ إلاّ أن يكون سيف ذهنه كليلا، فنقول [٢] : إنّه من هذا الفنّ متنصّل، فإنّ هذه العرائس لم تبرز لمتأمّل إلاّ من خدور هذا الكتاب، فإذا [٣] طلبها من غيره [٤] توارت عنه بالحجاب، فإذا سرّح المتأمّل طرفه و أمسى في كلّ واد من محاسنها يهيم، و تنوّعت حلاوات أنواعها لذوقه السّليم، جرّدت سيف العزم و أقمت لكلّ نوع حدّا، و نظمت له [٥] من أنواع التورية و أقسامها في سلك هذا النوع [٦] عقدا، فإنّ الشيخ صفيّ الدّين [٧] الحلّيّ لم يذكر في شرح بديعيّته نوعا من أنواع التورية، و لا قسما من أقسامها، بل ذكر حدّ التورية الذي أجمع الناس عليه [٨] ، و قال: هي أن يأتي المتكلّم بلفظة مشتركة بين معنيين قريب و بعيد، فيذكر لفظا يوهم القريب إلى أن يجيء [٩] بقرينة يظهر منها أنّ مراده البعيد.
قلت: و من أين يعرف الطالب من هذا الحدّ التورية المجرّدة، و التورية المرشّحة و قسميها، و المبيّنة [١٠] و قسميها، و المهيّأة و أقسامها؟
و كذلك العلاّمة زكيّ الدّين [١١] بن أبي الأصبع لم يذكر في كتابه المسمّى بـ «تحرير التحبير» [١٢] نوعا من أنواعها و لا قسما من أقسامها، مع أنّ كتابه ما وضع في هذا الفنّ له نظير، بل قال: التورية، و تسمّى «التوجيه» ، و هي أن تكون الكلمة تحتمل [١٣] معنيين، فيستعمل[المتكلّم] [١٤] أحد [١٥] احتماليها، و يهمل الآخر، و مراده [١٦] ما أهمله، لا ما استعمله.
[١] في و: «جليت عرائس» .
[٢] في ط: «فيقول» .
[٣] في ب، د، ط، و: «و إذا» .
[٤] في ب: «غير» .
[٥] «له» سقطت من و، ثبتت في هامشها مشارا إليها بـ «صح» .
[٦] في ب، و: «الشرح» مكان «النوع» .
[٧] «صفي الدين» سقطت من ب.
[٨] في ب: «عليه الناس» .
[٩] في ب: «يأتي» .
[١٠] في ب، د، ط «و المبنيّة» .
[١١] «زكي الدين» سقطت من ب.
[١٢] في ب: «تحريره» مكان «كتابه...
التحبير» .
[١٣] في ط: «يكون الكلام يحتمل» .
[١٤] من د، ط، و.
[١٥] في ب: «أحدهما» ، و في هامشها:
«أحد» .
[١٦] في ط: «مراده» .