خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٧٣ - التّهذيب و التّأديب
و كان زهير بن أبي سلمى معروفا بالتنقيح و التهذيب، و له قصائد تعرف بالحوليّات، قيل: إنّه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر و يهذّبها و ينقّحها في أربعة أشهر، و يعرضها على علماء قبيلته أربعة [١] أشهر، و يروى أنّه كان يعمل القصيدة في شهر و ينقّحها و يهذّبها في أحد [٢] عشر شهرا [٣] ؛ و لا جرم أنّه [٤] قلّما يسقط منه شيء، و لهذا كان الإمام عمر بن الخطاب [٥] ، رضي اللّه عنه [٦] ، مع جلالته في العلم [و تقدّمه] [٧] ، يقدّمه في النقد [٨] على سائر الفحول من طبقته.
و ما أحسن ما أشار أبو تمّام إلى التهذيب بقوله[من الكامل]:
خذها ابنة الفكر المهذّب في الدّجى # و الليل أسود[رقعة] [٩] الجلباب [١٠]
فإنّه خصّ «تهذيب الفكر في الدّجى» [١١] لكون [١٢] الليل تهدأ فيه الأصوات و تسكن الحركات، فيكون الفكر فيه مجتمعا، و مرآة التهذيب فيه صقيلة لخلوّ الخواطر [١٣] و صفاء القريحة، و لا سيّما وسط الليل، و النفس قد أخذت حظّها من الرّاحة بعد نيل قسطها من النوم، و خفّ عليها ثقل الغذاء [١٤] ، و صحّ ذهنها، و صار صدرها منشرحا، و قلبها بالتأليف منبسطا، و ما قدّموا وسط الليل في التأليف على السّحر مع ما فيه من رقّة الهواء و خفّة الغذاء و أخذ النفس سهمها من الرّاحة، إلاّ لما يكون فيه [١٥] من انتباه أكثر الحيوان الناطق و ارتفاع معظم الأصوات، و جرس [١٦] الحركات، و تقشّع الظلماء بطلائع الأضواء، و بدون ذلك ينقسم الفكر و يشتغل القلب، و وسط الليل خال ممّا ذكرناه، و لهذا خصّ أبو تمّام «تهذيب الفكر»
[١] «و يهذّبها... أشهر» سقطت من و، و ثبتت في هامشها مشارا إليها بـ «صح» .
[٢] في ك: «في شهر أربعة» مكان «أحد» ؛ و قد أشير فوقها بـ «كذا» .
[٣] في ب: «شهر» .
[٤] في و: «أنّه» كتبت فوق «جرم» .
[٥] «بن الخطاب» سقطت من ب.
[٦] في ب: «رضي اللّه تعالى عنه» .
[٧] من ب، د، ط، و.
[٨] في ب، د، ط، و: «في النقد يقدّمه» .
[٩] من ب، د، ط، و؛ و مكانها في ك فراغ.
[١٠] البيت في ديوانه ١/١٠٩؛ و تحرير التحبير ص ٤٠٢، ٤٠٣؛ و نفحات الأزهار ص ١٨٠؛ و شرح الكافية البديعية ص ٢٥٩.
[١١] في ب، د، ط، و: «بالدجى» .
[١٢] بعدها في ب، د، ط، و: «أنّ» .
[١٣] في ب، د، ط، و: «الخاطر» .
[١٤] في د، ك، و: «الغدى» .
[١٥] «فيه» سقطت من ب.
[١٦] في ب: «و خرس» .