المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٥١ - الكلام في عدم الابتلاء
قلت : الاطلاق إنما يكون حجة في نفي ما يحتمل دخله في موضوع الحكم المجعول مما يكون من شأن الجاعل بيانه ، وصلوح المورد لحدوث الداعي العقلي ليس دخيلا في موضوع التكليف ، ولا من شأن الشارع بيانه ، وإنما هو شرط في رفع لغويته ، ولا ظهور للاطلاق في رفع اللغوية ، وإنما هو من لوازم الخطاب القطعية بضميمة حكمة المخاطب التي يكفي فيها ترتب الأثر عليه في الجملة ولو بلحاظ بعض موارده ، ولذا لا يكون الخطاب ظاهرا في صلوح المورد لحدوث الداعي العقلي لو فرض عدم كون المخاطب حكيما ، مع كون الاطلاق ظاهرا في عموم موضوع الحكم وحجة له وعليه في ذلك .
وبعبارة أخرى : الشك في فعلية الحكم إن كان للشك في سعة موضوعه أو نحوه مما يكون من شأن الشارع بيانه ، كان المرجع فيه الاطلاق ، وإن كان لجهات اخر راجعة للعقل فلا دخل للاطلاق فيه ، بل الاطلاق إنما يقتضي الفعلية من حيثية الموضوع ، لا من جميع الجهات ولو كانت خارجة عن وظيفة الشارع .
إلا أن يفرض تصدي المتكلم لبيان الفعلية من جميع الجهات حتى الخارجة عن وظيفته ، فيكون الاطلاق ظاهرا حينئذ في ما يعم محل الكلام ، لكنه محتاج إلى قرينة خاصة ومؤنة زائدة لا يقتضيها طبع الكلام .
ولعل نظير ذلك ما ذكروه في مبحث الأصول المثبتة من أنه لو ورد التعبد في مورد خاص بالأصل في أمر لا أثر له عملي إلا بواسطة عقلية ، كشف عن التعبد بالأثر المذكور دفعا للغوية ، للغوية التعبد الظاهري مع عدم الأثر العملي .
ولا مجال لاستكشاف ذلك من إطلاق دليل الأصل لو فرض تحقق موضوعه - كاليقين والشك في الاستصحاب - في ما لا أثر له إلا بواسطة عقلية ، إذ يكفي في رفع لغوية الاطلاق شموله لموارد كثيرة يكون فيها مجرى الأصل موردا للأثر العملي بلا واسطة ، أو بواسطة شرعية .