المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٤٨ - الكلام في عدم الابتلاء
وفيه : - مع الغض عما عرفت من أن الغرض من التكليف ليس هو حصول متعلقه في الخارج ، بل جعل السبيل على المكلف - أن ذلك يقتضي اعتبار عدم حصول الترك عادة لوجود الصارف النفسي ولو مع القدرة العادية وسهولة تحصيل الفعل [١] .
بل لو فرض عدم القدرة العادية على الفعل إلا أنه لم يوجب انصراف المكلف عنه ، بل تعلق له الغرض بتحصيل الفعل وتحصيل مشقته فلا إشكال في حسن النهي عنه ، لعدم تحقق الترك عادة لولا النهي .
على أن نظير ما ذكره في النهي ليس هو اعتبار القدرة العادية في فعل المأمور به ، ليصح الفرق بينهما بما تقدم ، بل هو اعتبار القدرة العادية على ترك المأمور به ، فلو لم يكن تركه مقدورا عادة كان الفعل حاصلا مع قطع النظر عن الامر به ، فيكون الامر به عبثا مستهجنا كالنهي مع عدم القدرة العادية على الفعل .
وأضعف منه ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدس سره من اعتبار القدرة العادية على الفعل في كل من الأمر والنهي ، لا لأجل لزوم العبث واللغوية ، بل لأجل استهجان العرف للخطاب بالامر بالشئ أو النهي عنه مع كون المكلف أجنبيا عنه عرفا ، لعدم قدرته عليه بحسب العادة ، ولذا يستهجن تكليف الفقير المعدم تنجيزا بوجوب تزوج بنات الملوك وأكل طعامهم ، كما يستهجن تحريمهما عليه ، بل لا يحسن التكليف بهما تحريما أو إيجابا إلا معلقا على الابتلاء .
إذ فيه : - مع ما عرفت من عموم ملاك الاستهجان وعدم إناطته بالتعذر العادي - أنه لا مجال لتوهم امتناع الامر بما لا يقدر عليه عادة مع القدرة عليه عقلا بتهيئة مقدماته له إن كانت بعيدة شاقه ، وليس الحج في حق النائي إلا من
[١] يظهر مما حكاه عنه مقرر درسه عنه في آخر كلامه عدوله عما ذكره أولا من الضابط الذي أشرنا إليه ، وتعميمه الحكم لما إذا كان الفعل أجنبيا عن المكلف ولو مع القدرة العادية . فراجع . ( منه ، عفي عنه ) .