المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٨١ - الكلام في أن التخيير ابتدائي أو استمراري
التنجيز بالكلية بنحو تجوز مخالفته القطعية بالمخالفة بين الجمعتين في العمل .
لكن لا يخفى أن ما ذكره وإن رجع إلى القدرة على المخالفة القطعية لاحد العلمين المتولدين ، إلا أن من الظاهر أن المخالفة القطعية المذكورة مستلزمة للموافقة القطعية للعلم الآخر منهما ، ففي المقام علمان إجماليان يتمكن من الموافقة القطعية والمخالفة القطعية لكل منهما ، إلا أن موافقته أحدهما تستلزم مخالفة الآخر ، وحيث كان كل منهما مقتضيا للموافقة ومانعا من المخالفة ، كانا متزاحمين في تمام مقتضاهما وسقطا عن التأثير بالإضافة إلى كل من الامرين ، وليس الجمع بينهما بالتنزل للموافقة الاحتمالية في كل منهما بأولى من موافقة أحدهما في تمام مقتضاه وإهمال الآخر في تمام مقتضاه .
وبعبارة أخرى : إن العلم الاجمالي بالوجوب أو الحرمة في كل واقعة لا يصلح للتنجيز ، لامتناع موافقته ومخالفته القطعيتين ، وكذا العلم الاجمالي المتولد منه ، لأنه وإن أمكنت موافقته ومخالفته القطعيتان إلا أنه من مزاحم بمثله .
والحاصل : أن التخيير الابتدائي سالم عن محذور المخالفة القطعية ، إلا أنه خال عن الموافقة القطعية أيضا ، والتخيير الاستمراري وإن استلزم المخالفة القطعية في بعض الوقائع ولبعض العلوم الاجمالية المتولدة في المقام ، إلا أنه يستلزم الموافقة القطعية في بعض الوقائع ولبعض العلوم الاجمالية المتولدة الاخر ، وليس الأول أولى من الثاني بنظر العقل ، بل هما من حيث موافقة الغرض الذي يقتضيه التكليف سواء .
نعم ، قد يقال : إنه بناء على اقتضاء العلم الاجمالي للموافقة القطعية ليس كاقتضائه لترك المخالفة القطعية ، وأن الأول بنحو يقبل الردع ، والثاني بنحو لا يقبله ، لأنه بنحو العلية التامة ، فاللازم ترجيح ترك الموافقة القطعية على المخالفة القطعية لأهميتها .