صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٢ - توجيه كلام بما لا يرضى صاحبه
و الأغرب أنّه جعل جماعة الإمامية أيضا مخالفين للمذهب، و لا ندري ما هذا المذهب الذي اختصّ به هو و سائر الأخباريين المساكين؟! و قد خالفهم جماعة الشيعة الإمامية من اصوليين و المتعهّدة من قدامى المحدّثين!
قوله: «جمهور القدماء» أراد بهم جماعة من أصحاب الحديث القدامى كالصفّار (ت ٢٩٠) و العيّاشي (ت ٢٣٣) و النعماني (ت ٣٦٠) و أضرابهم من أصحاب الكتب، و فيها روايات حسبها دالّة على التحريف حسب فهمه. و سنبحث- في فصل قادم- إنّ رواية الحديث لا تكشف عن معتقد الراوي إطلاقا. و ما ذلك إلّا تحميل في الرأي يشبه الافتراء.
و كذا نسب إلى بني نوبخت[١] من متكلّمي الشيعة قولهم بالتحريف في مثل الكلمة أو الكلمتين ممّا لا يضرّ بجانب الإعجاز، كقراءات ابن مسعود. و في مثل قراءة بعضهم:
«و سارعوا» و آخر: «سارعوا» بلا واو.
و من الواضح أنّ ذلك يرجع إلى اختلاف القراءات ممّا لا يمسّ حديث التحريف، و لكن الغريق يتشبّث بكلّ حشيش!
و هكذا نسب إلى ابن شاذان (ت ٢٦٠) أيضا ذهابه إلى التحريف، بحجّة أنّه في كتاب «الإيضاح» انتقد على العامّة رواياتهم بشأن ضياع كثير من القرآن كحديث داجن البيت و حديث رجم الشيخ و الشيخة و حديث جوف ابن آدم و ما شاكل، المستلزم تحريفا في الكتاب العزيز! فقد أنكر على أهل الحشو في روايتهم ما يتنافى و قدسية القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.[٢] و هذا الإنكار اللاذع إن دلّ فإنّما يدلّ على عقيدته الخلاف، و مع ذلك فقد زعم النوري أنّه يعتقد الوفاق. قال: و ممّن ذهب إلى القول بالتحريف الفضل بن شاذان، لأنّه يظهر من كتابه أنّ ضياع طائفة من القرآن كان من
[١] - بنو نوبخت بيت معروف من الشيعة منسوبون إلى نوبخت الفارسي المنجّم. نبغ منهم كثير من أهل العلم و المعرفة بالكلام و الفقه و الأخبار و الآداب، و اشتهر منهم بعلم الكلام جماعة أشهرهم أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي و أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، و كان لهم إلمام بالفلسفة و سائر علوم الأوائل. و من هذه الجهة كانت لبعضهم مخالفات يسيرة في خصوص بعض المسائل مع سائر المتكلّمين من الإمامية و أهل الفقه و الحديث. راجع: هامش أوائل المقالات، ص ٢.
[٢] - الإيضاح، ص ٢٠٩ فما بعد.