صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - مسألة الإنساء
عثمان المصاحف لم نقدر منها إلّا ما هو الآن.[١]
و قالت- فيما زعمته قرآنا بشأن الرضعات-: فتوفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و هنّ ممّا يقرأ من القرآن[٢] و أمثال ذلك كثير.
فقد حاول القوم توجيه ذلك كلّه بأنّها ممّا نسيت و ذهب حفظها عن الصدور. ذكر ذلك جلال الدين السيوطي في ذيل قوله تعالى: «أَوْ نُنْسِها» عطفا على قوله: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...».[٣]
*** و النسخ و الإنساء تعبيران عن معنى واحد، غير أنّ الأوّل يعني رفع الشيء بعد ثبوته في الأعيان، و الثاني ذهابه من الأذهان.
و الآية الكريمة تعريض بأهل الكتاب، كانوا قد حاولوا التشكيك في معتقدات المسلمين: إنّ دين اللّه لا يتبدّل و لا يختلف فلا موضع لدين جديد.
فجاءت الآية ردّا لهذه الشبهة: إنّ المصالح تختلف ما دامت حياة الإنسان في تطوّر مستمرّ، فالشريعة القديمة إذا نسخت بشريعة جديدة، فإنّما هي لمصالح مقتضية، و الكلّ حسب الشرائط الراهنة علاج نافع أو أتمّ.
و قوله: «أو ننسها ...» أي ذهبت معالمها عن صفحة الأذهان، بما تقادم عهدها و تمادّت مدّتها، و لم يعد لها ذكر في عالم الوجود.
و النسخ و الإنساء ظاهرتان دينيّتان، تخصّان عهد الوحي الممكن تبديل المنسوخ أو المنسي بمثله أو بأتمّ، أمّا و بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول صلّى اللّه عليه و اله فلا نسخ و لا إنساء البتة، صرّح بذلك عامّة أهل الاصول.
الأمر الذي يجعل من القول بضياع شيء من القرآن أو إسقاطه بعد انقضاء عهد الرسالة قولا بالتحريف الباطل لا محالة، و من ثمّ نتحاشاه قطعيّا بلا ترديد.
[١] - الإتقان للسيوطي، ج ٣، ص ٧٢.
[٢] - المحلّى، ج ١٠، ص ١٤- ١٦.
[٣] - البقرة ٢: ١٠٦.