صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨ - التحريف لغة
و من ثمّ فهو تغيير في معنى الكلم، كما قال تعالى: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ»[١] أي يفسّرونها على غير وجهها بما لا دلالة للكلام فيه وضعا. كأنّ المعنى الموضوع له موضع حقيقي للكلم، فإذا ما حوّل إلى غيره فقد ابعد عن محلّه و عن موضعه الأصيل. و هذا تحريف معنوي لا غير.
قال في اللسان: و تحريف الكلم عن مواضعه: تغييره، و التحريف في القرآن و الكلمة:
تغيير الحرف عن معناه و الكلمة عن معناها، و هي قريبة الشبه، كما كانت اليهود تغيّر معاني التوراة بالأشباه فوصفهم اللّه بفعلهم فقال تعالى: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ».
قوله: و هي قريبة الشبه، أي تغيير معنى الكلم إلى معنى هو قريب الشبه إلى المعنى الحقيقي الأصل، و ذلك تحقيقا لمعنى الحرف الذي هو الجانب من الشيء الملاصق له في الوهم.
و هكذا قال الراغب: و تحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال، يمكن حمله على الوجهين، أي الكلام بحسب مادّته يحتمل الأمرين، فتجعله على أحدهما حسب المراد و إن كان على خلاف إرادة قائله.
و قال الطبرسي- في تفسير قوله تعالى: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ»-: أي يفسّرونه على غير ما انزل و يغيّرون صفة النبي صلّى اللّه عليه و اله فيكون التحريف بأمرين، أحدهما: سوء التأويل، و الآخر: التغيير و التبديل، كقوله تعالى: «وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ».[٢]
قال الشعراني: المراد من المواضع هي المعاني و المقاصد، أي لا يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة منها، بل يؤوّلونها على وجوه بعيدة.[٣]
و هكذا قوله تعالى: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ».[٤] أي جاء التحريف ليزيل الكلمة
[١] - النساء ٤: ٤٦؛ المائدة ٥: ١٣.
[٢] - مجمع البيان، ج ٣، ص ١٧٣، و الآية ٧٨ من سورة آل عمران.
[٣] - بهامش مجمع البيان، ج ٣، ص ٥٥.
[٤] - المائدة ٥: ٤١.