صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٣ - الفصل الثامن التحريف عند متطرفة الأخبارية
كانوا في الأغلب ما يكتبون إلّا ما يتعلّق بالأحكام و إلّا ما يوحى إليه في المحافل و المجامع. و أمّا الذي كان يكتب ما ينزل في خلواته و منازله فليس هو إلّا أمير المؤمنين عليه السّلام لأنّه كان يدور معه كيفما دار، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف.
قال: و لمّا مضى صلّى اللّه عليه و اله إلى لقاء حبيبه و تفرّقت الأهواء بعده جمع أمير المؤمنين عليه السّلام القرآن كما انزل، و شدّه بردائه و أتى به إلى المسجد و فيه الأعرابيان و أعيان الصحابة، فقال لهم: هذا كتاب ربّكم كما انزل. فقال له الأعرابي الجلف: ليس لنا فيه حاجة، هذا عندنا مصحف عثمان! فقال عليه السّلام: لن تروه و لن يراه أحد حتى يظهر ولدي صاحب الزمان فيحمل الناس على تلاوته و العمل بأحكامه. و يرفع اللّه سبحانه هذا المصحف إلى السماء.
و لمّا تخلّف ذلك الأعرابي احتال في استخراج ذلك المصحف ليحرقه كما أحرق مصحف ابن مسعود، فطلبه من أمير المؤمنين عليه السّلام فأبى.
قال: و هذا القرآن عند الأئمة عليهم السّلام يتلونه في خلواتهم. و ربّما أطلعوا عليه بعض خواصّهم، كما رواه ثقة الإسلام الكليني- عطّر اللّه مرقده- بإسناده عن سالم بن سلمة قال:
قرأ رجل على أبي عبد اللّه عليه السّلام و أنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: مه كفّ عن هذه القراءة و اقرأ كما يقرأ الناس، حتى يقوم القائم، فإذا قام قرأ كتاب اللّه على حدّه و أخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السّلام.
قال: و هذا الحديث و ما بمعناه قد أظهر العذر في تلاوتنا هذا المصحف و العمل بأحكامه.
و ثانيها: أنّ المصاحف لمّا كانت متعدّدة لتعدّد كتّاب الوحي عمد الأعرابيان إلى انتخاب ما كتبه عثمان و جملة ما كتبه غيره، و جمعوا الباقي في قدر فيه ماء حار فطبخوه.
قال: و لو كانت تلك المصاحف كلّها على نمط واحد لما صنعوا هذا الشنيع الذي صار عليها من أعظم المطاعن.
و ثالثها: أنّ المصاحف كانت مشتملة على مدائح أهل البيت عليهم السّلام صريحا، و لعن المنافقين و بني اميّة، نصّا و تلويحا. فعمدوا أيضا إلى هذا و رفعوه من المصاحف حذرا من