صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣١ - مسألة تشابه الأحداث في الغابر و الحاضر
كلّ دور و في كلّ عصر.
أمّا اصول الحياة و متطلّباتها فإنّها لا تختلف، ما دامت تقتضيها طبيعة الإنسان الذاتية الاجتماعية وفق فطرته الاولى التي لا تختلف على مرّ الدهور و لا تتفاوت.
الإنسان- بوجوده الفطري- يملك ذاتيات هي حليفته مذ نشأ في عالم الوجود، و تستمرّ معه ما دامت مسيرته تشقّ عباب الحياة على وجه الأرض. إنّها صفات و غرائز نابعة من ذاته و ناشئة من فطرته، و ستدوم معه ما دامت الذات و الفطرة ترافقانه في ركب الحياة.
الإنسان يملك غريزة «حبّ الذات» و هي تدعوه دوما إلى استجلاب ما ينفع ذاته و يلائم فطرته، و إلى رفض كلّ ما يضرّه و يتنافر مع طبعه. و هذا ما يقال: الإنسان مجبول على جلب المنفعة و دفع المضرّة، و منشأه حبّ الذات. فهو مندفع بذاته نحو مشتهيات نفسه، هارب عن منافياتها.
لكن بما أنّه اجتماعي الحياة، فإنّ هذا الاندفاع الذاتي في كلّ إنسان سوف يؤدّي إلى تجاذب و تمانع، و أخيرا تصادم و تنازع، عند ما تصطدم المنافع و تتشابك المصالح فردية و اجتماعية، الأمر الذي عبّر عنه أصحاب الفلسفة بمسألة «التنازع في البقاء» كلّ يجرّ النار إلى قرصه.
هذا، و قد بعث اللّه الأنبياء عليهم السّلام و أنزل الشرائع ليجعل لتصرّفات الإنسان حدودها المعقولة و يرشده إلى معالم الحياة السعيدة، كلّ يتمتّع بما يبتغيه، على شريطة أن لا يحول دون تمتع الآخرين «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ».[١]
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ».[٢]
و لكن «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ»[٣] لأنّه إذا تعدّى أحد فلا يتوقّع أن لا يتعدّى غيره عليه، فتنقلب الحياة سعيرا متوهّجة، و تسودها همجية من ورائها فوضى
[١] - الحجر ١٥: ٤٧.
[٢] - الأعراف ٧: ٣٢.
[٣] - الطلاق ٦٥: ١.