صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - ماذا يعني التحريف في كتب العهدين؟
شاهدا لإثبات التحريف ...[١]
قلت: ليس في القرآن ما يدلّ على وقوع التحريف في التوراة و الإنجيل، تحريفا بهذا المعنى المصطلح (تبديل النصّ أو الزيادة فيه أو النقص). و إنّما هو تحريف معنوي: تفسير الكلام على غير وجهه.
و لم يأت في شيء من الأخبار و لا في كلمات علماء الإسلام ما يشيء بوقوع تغيير أو تبديل في لفظ النصّ و تحريفه بالذات، كما لا شاهد عليه البتة!
و إليك تفصيل هذا الجانب:
قد أسبقنا أنّ التحريف الذي استعمله القرآن بشأن كتب العهدين يراد به التفسير على غير وجهه و هو تحريف معنوي لا غير.
و قال الإمام محمد بن علي الباقر عليه السّلام: و كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه و حرّفوا حدوده، فهم يروونه و لا يرعونه.[٢]
و قال الشيخ الطوسي- في تفسير قوله تعالى: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ»-: يعني يغيّرونها عن تأويلها.[٣]
و قال الشيخ محمد عبده: من التحريف تأويل القول بحمله على غير معناه، و هو المتبادر (أي من تعبير القرآن) لأنّه هو الذي حمل اليهود و النصارى على مجاحدة النبي صلّى اللّه عليه و اله و إنكار نبوّته، و لا يزالون يأوّلون البشارات إلى اليوم.[٤]
و قد قال تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».[٥] و قال: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ».[٦]
و قد صرّح القرآن بأنّ التوراة و الإنجيل و سائر الكتب النازلة كانت محفوظة لديهم، لو أقاموها و عملوا بها لابتهجت بهم الحياة العليا السعيدة: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ
[١] - فصل الخطاب، ص ٣٥.
[٢] - الكافي، ج ٨، ص ٥٣، رقم ١٦.
[٣] - التبيان، ج ٣، ص ٤٧٠.
[٤] - تفسير المنار، ج ٥، ص ١٤٠.
[٥] - آل عمران ٣: ٧١.
[٦] - البقرة ٢: ١٤٠.