منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٥٣ - اشتراط عدم الإكراه
خاص لا ضرورة احوجت إليه أو حادث اوجبه و الذي يطلق عليه الالتجاء فإنه غير مفسد و ان كان ملجأ اليه لضرورة احوجت له بل الذي حكموا بفساد عقده، و استدلوا عليه بالإجماع المحكى و بآية التجارة عن تراض و بحديث طيب النفس في الحلية، و بحديث الرفع الشامل لحكم الوضع لا رفع المؤاخذة لاستشهاد الإمام بطيبه الإكراه الموجب لعدم استقلال الملك بالتصرف بحيث انه لو وقع منه وقع لا عن طيب نفس و لا رضى و لذلك انه لو اكره على بيع احد مماليكه المبهم فباع أحدهم لا يعد مكرهاً و بحيث لو حلف على عدم بيعه كما انه لو قصد بيعه و اكره عليه يعد مكرهاً إذا لم تطب نفسه ببيعه لأجل ذلك خوف نقص يصيبه او غيره من الأغراض، و إن أحب بيعه لو لم يكره فما فعل لدفع ضرر ابعاد الغير لا يترتب عليه الأثر و ما عولج به دفع الضرر و النقص لا ينافي استقلاله و طيب نفسه فليس من الإكراه في شيء و لو تمكن بالحيلة في رفعه عنه و باعه مع ذلك يعدّ مكرهاً لأنَّ التمكن كذلك لا يخرجه عن موضوع الإكراه و لا عن حكمه خلافاً لجماعة فحكموا بعدم الاكراه إذا تمكن من التخلّص بغير التورية، و أما منها فهو مكره و لا يعتبر العجز عنها و آخرين فعمموا الحكم لأن القدرة على التخلّص يخرج العاقد عن حيز الإكراه و لكنه ممنوع فإن تنزيل العمومات على صورة العجز بلا قرينة او مخصص بل لمحض الاعتبار لا وجه له مع ما في رواية بن سنان عن ابي عبد اللّه" ع": (
لا يمين في قطيعة رحم و لا في اكراه، قلت: اصلحك اللّه ما الفرق بين الجبر و الإكراه؟ قال: الجبر من السلطان و يكون الإكراه من الزوجة و الأم و الأب و ليس ذلك بشيء
)، كما انه لا معنى للتفصيل بين التورية و غيرها لاتّحاد المناط في الخروج عن الاكراه و عدمه إلَّا ان يكون عدم الخروج مع التورية او الخروج بغيرها تعبدي، و يظهر من الاستاذ" رحمه اللّه" رجحان التفصيل بين العجز عن التورية و العجز عن غيرها، فأعتبر في تحقق الإكراه الثاني لأن علة سلب عبارته خوف الضرر لا صدق الإكراه فمتى امكن رفعه بغير ما اكره عليه وجب فيكون فعل ما اكره عليه عن طيب نفس لإمكان رفع ضرره بغيره مما هو مختار فيه لا مكره عليه ليكون احد فردي المكره عليه الذي لا يوجب تخيير الفاعل بينهما سلب الإكراه بل الفعل الاختياري مسقط لا بدل عن الآخر و مثله لا يعد مكرهاً و أما في خصوص التورية فلظهور النصوص و الفتاوي في عدم اعتبار العجز عنها و ان جرى فيها الكلام السابق، مستشهداً على ذلك بقضية عمار بن ياسر لما اذن له النبي" ص" بكلمة الكف حفظاً لنفسه و لم ينبهه على التورية مع انه أما واجب او راجح .. الخ، و هو متين لو لا ان الحكم معلّق على صدق الاكراه عرفاً لا على رفع الضرر الباعث عليه فإن تحقق منع الصدق العرفي في القادر على التخلّص تم ما يقول لكنه لا يسلم و ان سلّمه و ادعى خروج غير العاجز عن الخلاص بدليله بعد شمول العموم له فعليه ابدائه بعد صدقه عليه و إلَّا لجرى ذلك في التقية بالنسبة إلى الآثار المرتبة على المعاملة الصحيحة مع انه في بابها حكم بالترتب مع التمكن من المندوحة تبعاً للشهيدين و ثاني المحققين في البيان و الروض و شرح القواعد و ان حكمها لا يرتفع بالمندوحة لكون المدار على حصول موضوعها في الخارج فراجع رسالته فيها، و لعله تنبه لذلك ففرق بين الإكراه المسوّغ لارتكاب المحرّم فأعتبر العجز فيه و بين الرافع لأثر المعاملة فجعل المناط فيه طيب النفس و عدمه، و جعل التمكن من الخلاص المؤدي إلى الرحمة يتحقق فيه الاكراه دون ما لا زحمة فيه فلا يتحقق و حكم بأخصيّة الاكراه الرافع لأثر الحكم التكليفي لعدم تحققه مع امكان التقصّي لا الإكراه الرافع للحكم الوضعي لانفراده عنه في صورة صعوبة التخلص من المكره انتهى.