منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ١٠٧ - و منها أن ترتب آثار العقد من الأحكام الوضعية الثابتة من السببية
تسلطه على ما في يده بسبب العقد فكونه له الخيار بعد في امضائه و ردّه مخالف للأصل الموجب لخروجه عن ملكه إلى ملك الثاني لكن ذلك فرع لزوم العقد مطلقاً و هو ايضاً مخالف للأصل، إذ ليس عندنا ما يوجب ذلك بعد انقسام مطلق العقد إلى جائز و لازم و انقسام، اللازم أيضاً إلى ذلك فلا بد من تشخيص العقد اللازم من الجائز و بعد معرفة الأول يلزم أيضاً تعيين ان الاصل فيه الجواز أو اللزوم و لما كان البيع اول العقود و نقدم الكلام به ثمّ نعطف غيره عليه فنقول يظهر من كلمات اصحابنا أن الاصل في البيع اللزوم كما في ذكره، و هذا الأصل انما يحتاج إليه في مقام الشك و هو أما بمعنى القاعدة المستفادة من العمومات او بمعنى الراجح و الاستصحاب و هو استصحاب بقاء أثر العقد و عدم ارتفاعه بفسخ أحدهما.
أما الأول: فأستدل له بقوله تعالى [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] فإنه يدل على وجوب الوفاء بالعقد مطلقاً الذي هو بمعنى العهد أو العقد العرفي الذي يطلق عليه لفظه و حرمة النقض لا شك بأنها تلازم استمرار بقاء أثره و لا نعني باللزوم إلَّا هذا فهو حكم وضعي مدلول عليه بحكم تكليفي من حيث مساواته له فإن نقض العقد يضاد وجوب الوفاء مطلقاً به حتى بعد فسخ أحد المتعاقدين إذ الفسخ لا يرفع وجوب الوفاء و إلَّا لقيّد به و خيال أن العقد منه ما هو جائز قطعاً و الآية لا تقضي إلَّا بوجوب العمل بمقتضاه ان جائزاً فجائزاً أو واجباً فواجب، فكيف يظهر منها اللزوم موهون بأن لزوم العقد و جوازه لا يشخّص إلَّا بمشخّص لأنه خارج عن مقتضاه و آثاره إذ ليس هو إلَّا انه سبب لنقل ما وقع عليه من فرد لآخر و الجواز و اللزوم في افراده حكمان شرعيان فإذا انتفى التصريح بالعقد الواقع انه لازم للناقل لا مما يجوز نقضه توقف على البيان من الشارع لجوازه و لزومه، لكن الآية صرّحت بوجوب العمل بمقتضاه شرعاً فيتولد منه هذا حكم شرعي مساوٍ للزوم العقد لاحتياج وجوب الوفاء به إلى مزيل يزيله و حيث لا مزيل يبقى كما هو و هو معنى اللزوم فإن فسخه من غير تجويز الشارع لا أثر له جزماً و معه يحكم الدليل الاجتهادي الدال على وجوب الوفاء بنص الكتاب به و لمساواة وجوب الوفاء للزوم العقد توهم بعضهم بأن الآية اقتضت حكماً تكليفياً و وضعياً و لم يدري ان مفادها حكم واحد تكليفي يستلزم حكماً وضعياً كهو في [أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ] لأن الحليّة معناها عدم المنع سائر التصرفات في كل ما نقله عقد البيع فهي حكم شرعي و حليّة عموم التصرفات تشمل ما كان بعد الفسخ من احد المتعاقدين بلا رضا الآخر فلا أثر للفسخ حينئذٍ، و كذا آية التجارة عن تراضٍ فإن الفسخ لا يجعل ما بعده من التصرفات خارجاً عن موضوع النجارة عن تراضٍ، و الحل مرتّب عليها لكن عرض الشك فيما بعد الحل فإن الفسخ رافع فلا غنىً عن الاستصحاب او وجوب الوفاء بالعقد حتى يكون الفسخ لغواً، فدلالة الآيتين الأخيرتين ليسا كدلالة الأولى من حيث عدم نفع الاطلاق فيهما و قد يستند أيضاً إلى الآية الناطقة بحرمة أكل المال بالباطل بدون رخصة الشارع فأذنه فيما لولاه لكان الأكل باطلًا يكشف عن عدم البطلان مثل الأخذ بالشفعة و الخيار و عند الضرورة و اكل المارة و غيرها و حينئذ بعد انتقال المال بالعقد الذي فائدته ذلك كيف سوّغ الفسخ أكله و أخذه ممن ملكه إلَّا بدليل كما في العقود الجائزة بالذات او بالعارض، فإنه يكشف عن ثبوت حق للفاسخ في العين فالفسخ حيث لا دليل يقضي به و أخذ المال به أكل له بالباطل و قد قال" ص": (
لا يحل مال امرئ إلَّا بطيب نفسه[١]
)، و قال: (
الناس مسلطون على اموالهم
)، و معلوم أن التسلط بالفسخ بمجرده بلا احراز الرضا لا ينفي السلطنة و لا يحلل المال و لا يوجب طيب النفس و لو فرض كما ادعاه البعض ان الشرط مطلق الالتزام
[١] كاشف الغطاء،عباس، منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام، ٣جلد، مؤسسة كاشف الغطاء - نجف اشرف، چاپ: اول، ١٤٢٤ ق.