منهل الغمام في شرح شرايع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٢٦٦ - النظر الأول النقد و النسية
و الأقرب الصحة و لزوم الأقل و يكون التأخير جائزاً من طرف المشتري لازماً من طرف البائع لرضاه بالأقل، فالزيادة الربا فلأجلها ورد النهي و هو غير مانع من صحة البيع انتهى.
و توضيحه ان الغرر المنفي من جهة جهالة المبيع للترديد هو في مثل بعتك بهذا الثمن الحال او بالزائد الموصل لكذا يوم، أما لو جزم بالأقل حالًا ثمّ اشترط على المشتري الزيادة عليه لو أراد تأخير ثمنه إلى وقت مخصوص لم يكن من الترديد الممنوع المفسد للعقد الذي يلزم بالأصل، و هذا الشرط الذي لا جهالة فيه اصلًا يقتضي وجوب العمل به لقاعدة الشروط، لكن عرض ما يمنع العمل به و هو ترتب الربا عليه، فحينئذٍ يكفي اشتراط الأجل و الزيادة فيه و يكون العقد مبنياً على الحلول و لا يفسده اشتراط الزيادة الربوبية لكون ذلك بمنزلة معاملة ثانية بالنظر إلى تعجيل الثمن و تأجيله، و يستأنس له بتصحيح الأكثر في باب الإجارة تبعاً للنص فيما لو استأجره على حمل متاع بأجرة معينة في مدة معينة فإن تأخر عن المدة يوماً نقص من الأجرة شيئاً معلوماً و جرى عقد الإجارة كذلك.
و ظاهر حكمهم بالصحة لصحة الشرط و خروجه عن الترديد المفسد لا انه من الغرر المستثنى الخارج بدليله منه و من عمومات الجهالة لكن لازم ذلك بأن للبائع المطالبة حالًا و لو أخّر لا يستحق غير الأقل و لو صبر اختيار او مجبور ايضاً لا يستحق سوى المسمى الأقل، و ظاهر عبارة الدروس لزومه من طرف البائع و هو لا يلزم انحصار حقه في الاقل بل ينبغي جواز التأخير لكل منهما إلَّا ان يحمل اللزوم في عبارته على عدم جواز فسخه العقد لو أخر الثمن المشتري مع حلوله او مطالبة البائع لأن خيار التأخير يثبت لغير الراضي بالتأخير و الفرض رضاء البائع به و ان كان لغرض فاسد لا يتم له لأنه يفضي إلى الربا و يرشد إليه تصريح الراوندي قبله بما ذكرنا، او يقال ان الزام البائع بالتأخير مع ان القاعدة لا تقتضيه بنا على الحمل المزبور انما هو لجهة انها في مقابلة الأجل، فإذا لغى ثبت الحلول، و احتمل راجحاً ان تكون الزيادة في مقابلة اسقاطه لحق التعجيل الذي هو مفاد العقد لو خلي و طبعه و فساد هذه المقابلة لا توجب فساد الاسقاط و يستأنس له بذهاب الفاضل في البصائر إلى لزوم الدية فيما لو صالح من له حق القصاص بعقد يعلم المصالح، و المصالح استحقاق الغير له او حريته فإن فساد الصلح لا يوجب فساد الاسقاط و عليه لا يستحق البائع الزيادة و لا المطالبة قبل الأجل.
نعم، يفارق الدين المؤجل في ان المشتري لو دفع الثمن إليه لزم قبوله لعدم حقّ له في التأجيل، لفساد ما قابله به حتى يكون له حق الامتناع من قبول الثمن قبل الأجل، و انما الثابت بذلك سقوط حقه من التعجيل لا ثبوت حقه في التأجيل هذا و لكن ما ذكرناها، و إن أحتمل و أمكن تطبيقه على وجه حسن، لكن فيه منافاة لظاهر النص و الفتوى من اكثر الذاهبين إليه، فالأوفق كما قاله الاستاذ" رحمه اللّه": انه حكم تعبدي مخالف لعموم توقف حل المال على الرضا و طيب النفس و إلَّا كان اكلًا بالباطل، إلَّا ان هذا مبني على صلاحية الروايتين لتخصيص تلك العمومات و اثبات هذا الحكم المخالف للأصل، و من هنا اعرض عنه اكثر المتأخرين و حكموا فيه البطلان لقاعدتي الغرر و الجهالة و انحصار المستند بالخبرين و على فرض العمل بهما يلزم بحسب القواعد الاقتصار على موردهما.
و أما لو باع كذلك إلى وقتين متأخرين كان باطلًا من غير تردد فيه لما ذكرنا و لحرمة القياس، مضافاً إلى ما في التحرير من ان البطلان هنا قولًا واحداً، و يظهر من جماعة اتحاد المسألتين بل في الرياض ان ظاهر الاصحاب عدم الفرق في الحكم بين المسألتين و يلوح ذلك من الحدائق ايضاً، و استغربه شيخنا" رحمه اللّه" مع ان عموم ما نقله في المسألة الاولى من كلمات