لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٨ - الفصل السابع فى كمال بيان أن الفكر أفضل أم الذكر
حاصلا فيه كان لا جرم حصل الرسوخ فيه و هو المراد و اللّه أعلم بقوله: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» «١».
الحجة السابعة: أن الفكر مقام الغيبة من اللّه، لأن الفكر طلب و لو كان المطلوب حاضرا لامتنع طلبه، لأن طلب الحاضر محال و أما الذكر فإنه يتناول الحاضر و الغائب لأنه قد يذكر الحاضر و مقام الحضور أشرف من مقام الغيبة.
الحجة الثامنة: الفكر فيه خطر؛ لأن حال المتفكر تشبه حال السفينة الواقفة فى لجة البحر عند اضطراب الرياح و الأمواج، و ذلك لأن الفكر قد يفضى إلى الشبهة و قد يفضى إلى الحجة، و لهذا كان أصحاب الأفكار كثيرا ما يقعون فى أنواع الأباطيل و أنواع الكفر و الإلحاد، و أما الذكر فلا خطر فيه لأن الإنسان عند الذكر يكون مستقر القلب على عبودية اللّه تعالى مستنير الروح بأنوار معرفته، فالوسواس زائل عن قلبه و الشبهات غير مختلطة بمعرفته و الشياطين يعبدون عنه. بدليل قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» «٢» و لذلك لا ترى أحدا من أصحاب الذكر وقع فى بدعة أو ضلالة.
الحجة التاسعة: الفكر يقتضي توزع النظر و تكثر الاعتبارات فإنه ما لم ينظر فى الحوادث الكثيرة لم يجد الدليل، و أما الذكر فإنه إلى التوحيد أقرب، لأن اللسان مشغول بالواحد و القلب متوجه إلى الواحد، و لا شك أن أجل درجات العبودية هو التوحيد.
الحجة العاشرة قوله تعالى: «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» «٣» فان قيل المراد أن ذكر اللّه للعبد أكبر. قلنا: هب أنه كذلك و لكن ذكر العبد ربه يستلزم ذكر
______________________________
(١) جزء من الآية ٢٨ من سورة الرعد.
(٢) الآية ٢٠١ من سورة الأعراف.
(٣) جزء من الآية ٤٥ من سورة العنكبوت.