لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٩١ - القول فى تفسير اسمه(الحق)
الاتحاد، لأن الموجود لا يكون نفس المعدوم، فبقى أن يطلب لكلام هذا الرجل تأويل. تأويله من وجوه.
الأول: أنا بينا بالبرهان النير أن الموجود هو الحق سبحانه، و أن كل ما سواه فهو باطل، فهذا رحل ما سوى الحق عن نظره، و فنيت نفسه أيضا عن نظره، و لم يبق فى نظره موجود غير اللّه، فقال فى ذلك الوقت أنا الحق، كأن الحق سبحانه أجرى هذه الكلمة على لسانه، حال فنائه بالكلية عن نفسه، و استغراقه فى أنوار جلال اللّه تعالى، و لهذا المعنى لما قيل له. قل أنا بالحق أبى، فإنه لو قال أنا بالحق لصار قوله أنا إشارة إلى نفسه، و الرجل كان فى مقام محو ما سوى اللّه.
التأويل الثانى: أنه ثبت أنه سبحانه هو الحق، و معرفته هى المعرفة الحقية، و كما أن الإكسير إذا وقع على النحاس قلبه ذهبا، فكذا إكسير معرفة اللّه إذا وقع على روحه انقلب روحه من الباطلية إلى الحقية، فصار ذهبا إبريزا، فلهذا قال: أنا الحق.
التأويل الثالث: أن من غلب عليه شيء يقال إنه هو ذلك الشيء على سبيل المجاز، كما يقال فلان جود و كرم، فلما كان الرجل مستغرقا بالحق لا جرم قال:
أنا الحق.
و الفرق بين هذا الجواب و بين الأول أن فى الأول صار العبد فانيا بالكلية عن نفسه، غرقا فى شهود الحق، فقوله. أنا الحق كلام أجراه الحق على لسانه فى غلو سكره، فيكون القائل فى الحقيقة: هو اللّه، و أما فى الجواب الثانى فالعبد هو الّذي قال ذلك، و مراده منه المبالغة، و بين المقامين فرق عظيم، إن كنت من أرباب الذوق.
التأويل الرابع: لا يبعد أنه لما تجلى فى روحه نور جلال اللّه، و زالت حجب البشرية، لا جرم بلغت روحه إلى أقصى منازل السعادات، فقد صار حقا يجعل