لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٢ - القول فى تفسير اسمه(الحكم)
فثبت أن على القولين لا بد من القطع بأن حكم اللّه فى جميع الكليات و الجزئيات حاصل فى الأزل، و معلوم أن الحكم الأول لا دافع له.
الحجة الثانية: أنه تعالى علم أن بعضها يقع، و بعضها لا يقع، و العلم بالوقوع مضاد لعدم الوقوع و العلم بعدم الوقوع مضاد للوقوع، و الضدان لا يجتمعان، لكن إبطال علم اللّه محال، فإزالة هذا الضد محال، فدخول الضد الآخر فى الوجود محال، فما علم أنه يقع كان واجب الوقوع، و ما علم أنه لا يقع كان محال الوقوع.
الحجة الثالثة: أنه تعالى حكم على أبى لهب بأنه لا يؤمن، و معنى هذا الحكم الإجبار، و هذا الخبر ممتنع الزوال، فكان دخول الإيمان فى الوجود محالا.
هذا عمدة القائلين بثبوت الحكم المطلق فى جميع الكليات، و الجزئيات.
و احتجوا: بأنه لو كان الأمر كذلك لكان وقوع ما انعقد سبب وقوعه واجبا، و وقوع ما لم ينعقد سبب وقوعه ممتنعا، فيكون كل الأسباب إما واجبا، و إما ممتنعا، و لو كان كذلك لما بقى لأحد قدرة على الفعل و لا اختيار فى إقدام و لا إحجام، إلا أن هذا باطل بالضرورة، فإنى أعلم بالضرورة أنى إن شئت الفعل فعلت، و إن شئت الترك تركت.
و الجواب: هب أنك تجد ذلك من نفسك، فهل تجد منها أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت، أو مشيئة الترك حصلت. و ظاهر أن الأمر ليس كذلك، و إلا لزم التسلسل، بل إذا شئت الفعل فشئت أم أبيت فعلت، و بالعكس؛ فلا حصول للمشيئة فيك بك، و لا للفعل عقيبها بك، فالإنسان مضطر فى صورة مختار.
و اعلم أن أظهر آيات القرآن للمعتزلة قوله: «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» «١» و من تأمل هذه الآية علم أنها من أقوى الدلائل على قولنا؛ و ذلك لأنها تقتضى
______________________________
(١) جزء من الآية ٢٩ من سورة الكهف.