لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧٠ - القول فى تفسير(الرحمن الرحيم) و فيه مسائل
و ثالثها: ملوك اليونانيين، و هم يسدون باب اللذات على نفوسهم، و يفتحونه على رعيتهم، قالوا: لأن الملك فى الأرض نائب اللّه فى العالم، و إله العالم يطعم و لا يطعم، و ينفع و لا ينفع، و كان الملك السعيد من يكون متشبها بالإله فى هذه الصفة.
و رابعها: ملوك الأعاجم، و هم يفتحون باب اللذات الجسمانية على أنفسهم و يسدونها على رعاياهم و هؤلاء هم نواب الشياطين.
و إذا عرفت هذه الحكاية ظهر لك أن كمال رحمة الإنسان هو أن يسعى فى إيصال نفع إلى الغير، و دفع ضرر عنه، و لأجل كمال هذه الصفة، قال عليه الصلاة و السلام «التعظيم لأمر اللّه و الشفقة على خلق اللّه» و كان فى آخر حياته يقول «الصلاة و ما ملكت أيمانكم» و كان بعض المشايخ يقول: مجامع الخيرات محصورة فى أمرين، صدق مع الحق، و خلق مع الخلق.
و هذه المقدمة برهانية، لأن الموجود إما واجب و هو الحق سبحانه، و إما ممكن و هو الخلق، و كمال العبودية فى حضرة الحق أن يصير العبد مكاشفا، فإن الحكم و الأمر له. لا لغيره، كما قال، «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» «١» و كمال العبودية للّه بالنسبة إلى الخلق، و الإحسان إليهم لأجل الحق، و اللّه أعلم.
و مما يؤكد أن هذه المرتبة أعظم المراتب، أنه تعالى وصف رسوله عليه الصلاة و السلام بالرحمة فقال: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٢» و قال «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» «٣» و قال: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» «٤».
______________________________
(١) جزء من الآية ٤ من سورة الروم.
(٢) الآية ١٠٧ من سورة الأنبياء.
(٣) جزء من الآية ١٢٨ من سورة التوبة.
(٤) جزء من الآية ١٥٩ من سورة آل عمران.