لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٧١ - الفصل السابع فى كمال بيان أن الفكر أفضل أم الذكر
بمثلها. فإن قالوا: العبادة الظاهرة قد يشوبها الرياء و الخفية ليست كذلك. قلنا:
هذه الحالة إنما تكون فى حق المبتدءين، أما فى حق أولياء اللّه تعالى فالعبادة الظاهرة فى حقهم أفضل.
الحجة العشرون: الفكر إنما يكون فى الدليل ليتوصل منه إلى المدلول، و الفكر فى الدليل اشتغال بالدليل، و قال اللّه تعالى «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» «١» فهذا يقتضي الفرار عن كل ما سوى اللّه تعالى فيدخل فيه الإعراض عن الدليل.
و قال تعالى «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» «٢» و هذا يقتضي الفرار عن كل ما سوى اللّه فيدخل فيه الدليل، و قال تعالى «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» «٣» و كل دليل فإنه لا بد فيه من مقدمتين و هما كالنعلين للعقل السيّار إلى اللّه، فمعنى الآية و اللّه أعلم: أنك لما وصلت إلى المدلول فاترك الاشتغال بالدليل، و أيضا قال تعالى «ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» «٤» فبقدر ما يشتغل بغير اللّه يكون محروما من اللّه، و المفكر مشغول بالدليل فيكون محروما عن المدلول، و أما الذاكر فإنه مشتغل بالمدلول مقبل على معرفته معرض عما سواه، فكان الذكر أفضل من الفكر.
الحجة الحادية و العشرون: أنه سبحانه و تعالى لما وصف المقربين من عباده وصفهم بالذكر و التسبيح أكثر مما وصفهم بالفكر، فقال فى وصفه الملائكة «فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ» «٥» و قال «وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ
______________________________
(١) جزء من الآية ٩١ من سورة الأنعام.
(٢) جزء من الآية ٥٠ من سورة الذاريات.
(٣) الآية ١٢ من سورة طه.
(٤) جزء من الآية ٤ من سورة الأحزاب.
(٥) الآية ٣٨ من سورة فصلت.