لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٧ - القول فى تفسير اسمه(الشكور)
إذا عرفت هذا. فنقول: تفكر فى أقسام نعم اللّه عليك، كنت معدوما محضا فجعلك موجودا، ثم أعطاك الصورة الحسنة فى الظاهر، و العقل الّذي هو أشرف الصفات فى الباطن، و شق سمعك و بصرك، و هداك إلى معرفته، و عرّضك للثواب العظيم، و أثنى عليك فى كتابه الكريم، ثم إنك إذا حركت لسانك و قلت الحمد للّه، فاعتقدت أن تحريك اللسان بذكر هذه الكلمات يفى بشكر هذه النعمة العظيمة، فهذا الإنسان فى البعد عن العقل أعظم من الإنسان الّذي وصفناه، هذا هو الكلام فى شكر الرب سبحانه.
و أما شكر مخلوق لمخلوق آخر، فهو مشروع فى الظاهر، قال عليه الصلاة و السلام «من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه» لكن الشكر فى التحقيق ليس إلا للّه، و بيانه من وجوه.
الأول: أنه تعالى لو لم يخلق فى قلبه داعية الإنعام عليك لامتنع عقلا أن ينعم عليك، لأن الفعل بدون المرجح محال. و إذا خلق تلك الداعية فى قلبه امتنع عقلا أن لا ينعم عليك، و إذا كان كذلك فالعبد معزول فى الحالين. و الضار و النافع فى الحقيقة هو اللّه تعالى.
الثانى: إن إنعام العبد لا يتم إلا بإنعام اللّه، فإنه تعالى لو لا أنه خلق الحنطة و الشعير و إلا فكيف يمكن الأمير و الوزير من الإنعام بهما، و أيضا فلو لا أنه تعالى خلق آلات الطحن و الخبز و إلا لما أمكن الانتفاع بذلك الإنعام.
و أيضا فلو لا أنه تعالى أعطى صحة البدن و القوة الهاضمة فى المعدة، و إلا لما أمكنه الانتفاع بذلك الإنعام، فإذا تأملت علمت أن إنعام الأمير مسبوق بوجوه لا تحصى من إنعام اللّه، و ملحوق بوجوه لا تحصى من إنعامه، و ترى إنعام الأمير فيما بينهما كالقطرة فى البحر، فمن بقى مغترا بتلك القطرة، غافلا عن كل البحر كان ذلك غاية الجهالة.
(م ١٧- لوامع البينات)