لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٣ - القول فى تفسير اسمه(العظيم)
للمتناهى إلى غير المتناهى البتة، فلهذا قال سبحانه و تعالى: «ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ» «١» أى لا فرق بين تخريب العرش، و الكرسى، و السموات، و الأرضين، و بين تخريب بيت بقة، أو بعوضة، و لا فرق بين خلق اللّه ألف ألف عالم، و بين خلق بقة أو بعوضة؛ و إليه الإشارة بقوله «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» «٢».
فسبحانه من ملك تحيرت العقول فى أنوار صمديته؛ و بطلت الأفهام فى إشراق عزته.
أما حظ العبد منه: فاعلم أن الشيئين إذا اشتركا فى أمر من الأمور، و كان أحدهما ناقصا فيه؛ و الآخر كاملا؛ فإذا وصل الناقص إلى الكامل فنى الناقص فى الكامل؛ ألا ترى أن القطرة من الماء إذا وقعت فى البحر فكأنها فنيت؛ و الشعلة من النار إذا قربت من الخندق العظيم المملوء من النار فكأنها فنيت؛ و صوت البقة إذا حصل مع صوت البوق فكأنه فنى، و كذا القول فى جميع المدركات؛ فكذلك من كان ناقصا فى الملك إذا وصل إلى من كان كاملا فيه فكأنه يفنى، و يضمحل؛ و ذلك لأن اشتغال قلبه بذلك الكمال يمنعه عن الشعور بما معه من تلك الصفة الناقصة، فلهذا السبب يستعظم التلميذ أستاذه، و يستعظم العبد سيده؛ إذا عرفت هذا فكون العبد عظيما إما أن يكون فى الدين أو فى الدنيا؛ فإن كان فى الدين فقد قال عليه الصلاة و السلام: «من تعلم و علم و عمل بما علم ثم علم الغير فذلك يدعى عظيما فى السماء» و أما فى الدنيا فلا يخفى حاله.
قول المشايخ فى هذا الاسم: أما المشايخ فقالوا: العظيم هو الّذي لا يكون
______________________________
(١) جزء من الآية ٢٨ من سورة لقمان.
(٢) الآية ٤٠ من سورة النحل.