لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٩ - القول فى تفسير اسمه(الحليم)
و الثانى: ما ذكره الشيخ عبد الملك الطبرى، و هو: أن الخبير بمعنى المخبر، فهو فعيل بمعنى مفعل، و هو كثير فى كلام العرب، كالسميع بمعنى المسمع و البديع بمعنى المبدع، فيكون الخبير هو المخبر، و هو عبارة عن كلامه.
أما حظ العبد منه فهو: أن يكون شديد البحث و الفحص عن محاسن الأخلاق و مقابحها، و عن أن ما معه من الصفات و الأخلاق من أى القسمين، و أن لا يغتر فى هذا الباب بأنواع تلبيس إبليس.
قول المشايخ فى هذا الاسم: و أما المشايخ فقالوا: من عرف أنه خبير كان بزمام التقوى مشدودا، و عن طريق المنى مصدودا، قال على بن الحسين من أراد عزا بلا عشيرة، و هيبة بلا سلطان، و غنى بال فقر؛ فليخرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة، قال تعالى: «وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ» «١».
القول فى تفسير اسمه (الحليم)
حاصل كلامهم أن الحليم هو الّذي لا يعجل بالانتقام، و أنا أقول: من لا يعجل الانتقام إن كان على عزم أن ينتقم بعد ذلك فهذا يسمى حقودا، و إن كان على عزم أن لا ينتقم البتة فهذا هو العفو و الغفران، فأين الحلم؟ و ما معناه؟ و يمكن أن يقال إنه إنما يكون حليما إذا كان على عزم أن لا ينتقم البتة، و لكن بشرط أن لا يظهر ذلك، فان أظهره كان ذلك عفوا، و بهذا الوجه ظهر الفرق بين العفو و بين الحلم.
و اعلم أن حلم اللّه عن المذنبين عظيم، قال تعالى: «وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ».
و روى أن إبراهيم عليه السلام رأى رجلا مشتغلا بمعصية؛ فقال: اللهم أهلكه؛ فهلك، ثم رأى ثانيا، و ثالثا، فدعا فهلكوا، فرأى رابعا فهم بالدعاء
______________________________
(١) جزء من الآية ٦١ من سورة النحل.