لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٤ - القول فى تفسير اسمه(الغفار) و فيه مسائل
و قال موسى عليه السلام لما قتل القبطى: «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي» «١» أظهر الزلة، ثم طلب المغفرة، و أيضا أظهر زلة داود عليه السلام ثم قال «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ» «٢» و أيضا قال لمحمد صلى اللّه عليه و سلم: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ» «٣»، و قال: «وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» «٤».
فهل هنا أظهر ذكر الذنب، ثم قال: إنه غفره، و كان من دعوات نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم «اللهم اغفر لى مغفرة ظاهرة و باطنة، و اغفر ذنوب السر و العلانية».
فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز تفسير المغفرة بالستر، و إذا ثبت هذا فنقول مغفرة اللّه تعالى مفسرة بالعفو و الصفح على سبيل المجاز، من حيث إن المستور و الزائل يشتركان فى عدم الظهور، و المشاركة فى الوصف أحد أسباب حسن التجاوز، و العفو عبارة عن إسقاط العقوبة و تركها، قال أصحابنا فعلى هذا الغافر من صفات الفعل، و هذا أيضا فيه نظر لأنه عبارة عن ترك الفعل، لا عن الفعل.
و أما الغفور فهو أبلغ من الغافر، لأن هذا البناء للمبالغة كالصفوح و الضحوك و القتول، و الغفار أبلغ من الغفور، لأنه وضع للتكثير، و معناه أنه يغفر الذنب بعد الذنب أبدا.
و اعلم أن الذين حملوا هذا اللفظ على الستر فسروا ذلك بالدعاء المشهور، و هو قولهم يا من أظهر الجميل، و ستر القبيح، قالوا و هذا الستر إما فى الدنيا أو فى الآخرة، أما الدنيا ففى أحوال النفس و البدن، أما النفس فهو أنه سبحانه جعل مستقر الخواطر المذمومة، و الإرادات القبيحة فى العبد ستر قلبه، حتى لا يطلع
______________________________
(١) جزء من الآية ١٦ من سورة القصص.
(٢) جزء من الآية ٢٥ من سورة ص.
(٣) جزء من الآية ٢ من سورة الفتح.
(٤) جزء من الآية ٥٥ من سورة غافر.