لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٩١ - القول فى تفسير اسمه(المؤمن)
هذه الأعضاء و الآلات هو الّذي أزال الخوف عن الإنسان بواسطة إعطاء هذه الأعضاء، ثم قال و لو قدرنا إنسانا وحده مطلوبا من جهة أعدائه، و هو ملقى فى مضيعة، و لا يمكنه أن يتحرك لغاية ضعفه، فإن تحرك فلا سلاح معه، و لئن كان معه سلاح لم يقدر على مقاومة الأعداء وحده، و إن كانت له جنود فلم يأمن أن تنكسر جنوده، و لا يجد حصنا يأوى إليه، فجاء من عالج ضعفه فقواه، و أمده بجنود و أسلحة، و بنى حوله حصنا، فقد أفاده أمنا عظيما؛ فبالحرى أن يسمى مؤمنا فى حقه، و العبد ضعيف فى أصل فطرته، و هو عرضة للآفات، و منزل المخافات، تارة من الآفات المتولدة فى باطنه كالجوع و العطش، و تارة من خارجه كالحريق و الغرق و الأسر، فالذى خلق له الأغذية اللذيذة، و الأدوية النافعة، و الآلات الجالبة للمنافع و الأعضاء الدافعة للمتاعب، لا شك أنه هو الّذي آمنه من هذه الآفات.
و أما أحوال الآخرة فهو الّذي نصب الدلائل، و قوى العقل، و هدى الخاطر إلى معرفة توحيده، و جعل هذه المعرفة حصنا حصينا، و جنة واقية عن أصناف العذاب، كما أخبر الرسول عليه الصلاة و السلام عن رب العزة أنه قال:
«لا إله إلا اللّه حصنى، من دخل حصنى أمن من عذابى» فقد ثبت بهذا التقدير أنه لا أمن فى العالم إلا من اللّه، و لا راحة إلا من اللّه، فهذا المؤمن المطلق حقا».
هذا كله كلام الغزالى، و هو حسن جدا.
فإن قيل: لا خوف إلا من اللّه، فكيف يقال لا أمن إلا من اللّه؟.
قلنا: لا منافاة بينهما، كما أنه معز مذل، محيى مميت، و قد تقدم تقرير هذا فى تفسير الرحمن الرحيم.
و ما حظ العبد من هذا الاسم، فهو أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به فى دفع الهلاك عن نفسه فى دنياه و دينه، كما قال عليه الصلاة و السلام: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه».