لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٩ - القول فى تفسير(الرحمن الرحيم) و فيه مسائل
صارت سببا لبقائهم على الكفر، و تماديهم فى الطغيان، و استحقاقهم العذاب الدائم، و ما يكون كذلك امتنع أن يكون نعمة، بل ذلك بمنزلة الطعام المسموم للذيذ، فإن ظاهره و إن كان نعمة؛ لكن باطنه عذاب.
فإن قيل: إن ما يأكلونه و يشربونه، و ما حصل لهم من الصحة و السلامة ليس شيء منها سببا للعذاب، و هم لا يستحقون عليها فى الآخرة شيئا من العقاب بل إنما يستحقونه على كفرهم و معاصيهم.
قلنا: إن استعمالهم تلك اللذات يجعلهم مستغرقين فى طلب اللذات الفانية، و يصدهم عن السعادة فى الآخرة، فيعود الأمر إلى ما ذكرناه.
المسألة الرابعة: اعلم أن رحمة اللّه سبحانه و تعالى أكمل من رحمة العبادة بعضهم لبعض و يدل عليه وجوه.
الأول: أن حصول الرحمة فى قلب العبد بدلا عن القسوة و الغلطة أمر جائز الموجود، و المحدث الجائز لا يوجد إلا لمرجح و مخصص، و هذا يقتضي القطع أن خالق تلك الرحمة فى قلب العبد هو اللّه سبحانه و تعالى، فلو لا رحمة اللّه تعالى لما خلق الرحمة فى قلب العبد، فثبت أن رحمة اللّه تعالى أكمل و أقدم من رحمة العبد.
الحجة الثانية: أن العبد عالم يحصل فى قلبه نوع رقة لم يرحم، فإذا تأمل المتأمل أن مقصود العبد من تلك الرحمة إنما هو دفع تلك الرقة الحسية عن القلب، فهو بالحقيقة إنما يرحم غيره ليتخلص عن أ لم تلك الرقة، و الحق منزه عن الرقة، و لا تكون رحمته لهذا المعنى؛ بل رحمته بمحض الفضل و الإحسان، و لتحقق هذا الكلام بالأمثلة.
فالأب إذا أحسن إلى ولده فهو فى الحقيقة إنما أحسن إلى نفسه، لأنه إذا اختلت مصالح الولد تألم قلب الوالد، فإذا أحسن إلى الولد انتظمت مصالحه،