لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢٩ - القسم الاول ليس فى هذا القول حذف؟
واحد، و قولنا لا رجل فى الدار يوجب انتفاء رجل واحد، إلا أنا حملناه على عموم النفى لأنه لما لم يكن التعيين مذكورا لم يكن حمله على البعض أولى من حمله على الباقى، فوجب حمله على نفى الكل، فثبت أن قولنا لا رجل فى الدار أقوى فى عموم النفى من قولنا لا رجل فى الدار، و لأجل كون كل واحد منهما يفيد عموم النفى قوى قوله تعالى: «لا رَيْبَ فِيهِ» «١» بالقراءتين، و كذا قوله: «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ» «٢» و لأجل أن البناء على الفتح أقوى فى الدلالة على عموم النفى، اتفقوا عليه فى قولنا لا إله إلا اللّه.
المسألة السادسة: من الناس من قال تصور الاثبات مقدم على تصور النفى بدليل أن الواحد منا يمكنه أن يتصور الإثبات و إن لم يخطر بباله معنى العدم، و يمتنع عليه أن يتصور العدم إلا و قد تصور الإثبات أولا، و ذلك لأن العدم المطلق غير معقول، بل العدم لا يعقل إلا إذا أضيف إلى موجود معين، فيقال:
عدم الدار، و عدم الغلام.
فثبت أن تصور الإثبات متقدم، و تصور النفى متأخر؛ إذا ثبت هذا فما السبب فى أن جعل النفى الّذي هو فرع متقدما على الإثبات الّذي هو الأصل؟
و للجواب: فى تقديم النفى على الإثبات فى هذا أغراض.
الأول: أن نفى الربوبية عن غيره ثم إثباتها له آكد فى الإثبات، كما أن للقائل إذا قال: ليس فى البلد عالم غير فلان، فإنه آكد فى باب المدح من قوله: فلان عالم البلد.
الثانى: أن لكل إنسان قلبا واحدا، و هو لا يتسع لشيئين دفعة واحدة، فبقدر ما يبقى مشغولا بأحد الشيئين يبقى محروما عن الشيء الثانى، فقوله لا إله
______________________________
(١) جزء من الآية ٢ من سورة البقرة.
(٢) جزء من الآية ١٩٧ من سورة البقرة.