لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٨ - القول فى تفسير قولنا(الله) و فيه مسائل
ينتقل من مرتبة ضعيفة إلى مرتبة قوية فى الأنوار حتى تألف العين نور الشمس فحينئذ ينظر إلى الأنوار القوية، فكذا هاهنا الأنوار البشرية احتبست فى قعر ظلمات عالم الأجساد، فعند الموت يزول الغطاء، فإذا نظرت إلى إشراق جلال اللّه، و غشيتها لوامع عالم العظمة عميت بالكلية، و لكن الطريق أن الإنسان مدة حياته الجسمانية يتكلف استخراج روحه من عمق ظلمات البدن إلى عتبة عالم الأنوار الإلهية، حتى يحصل للروح و السر إلف مع أنوار عالم القدس، ثم إذا تقشع السحاب، و زال الحجاب، فحينئذ يحصل الإبصار التام، كما قال تعالى «فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» «١».
و كما أن العين يغشاها الحيرة و الدهشة عند النظر إلى قرص الشمس، و كذا عيون الأرواح البشرية يغشاها الحيرة و الدهشة عند النظر إلى ينبوع الأنوار الإلهية فلما كانت هذه الحيرة و الدهشة لازمة عند القرب من هذه الحضرة؛ لا جرم كان الاسم اللائق به هو قولنا: اللّه.
القول السابع: الإله من له الإلهية؛ و هى القدرة على الاختراع؛ و الدليل عليه أن فرعون لما قال: «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ» «٢» قال موسى فى الجواب: «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» «٣» فذكر فى الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله القدرة على الاختراع؛ و لو لا أن حقيقة الإلهية هى القدرة على الاختراع؛ لم يكن هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال.
القول الثامن: أن الأصل فى قولنا: اللّه هى الهاء التى هى كناية عن الغائب، و ذلك لأنهم أثبتوه موجودا فى نظر عقولهم. فأشاروا إليه بحرف الكناية. ثم بدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء و مالكها. فصار له. ثم زيدت
______________________________
(١) جزء من الآية ٢٢ من سورة ق.
(٢) جزء من الآية ٢٣ من سورة الشعراء.
(٣) جزء من الآية ٢٤ من سورة الشعراء.