لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٦ - القول فى تفسير قولنا(الله) و فيه مسائل
الواقعة إلى حضرة رب العزة، فأوحى اللّه إليهما «أن أقربكما إلى أحسنكما ظنا بى» و اللّه أعلم.
القول الثالث: فى اشتقاق اسم اللّه سبحانه و تعالى: أنه مأخوذ من لاه يلوه إذا احتجب.
و اعلم أنه يصح أن يقال إنه تعالى يحتجب. و لا يصح إن يقال أنه محجوب، لأن الاحتجاب دليل على كمال القدرة، لأنه عبارة عن كونه تعالى قادرا على قهر العقول عن الوصول إلى كنه صمديته، و قادر على قهر الأبصار عن الانتهاء إلى جلال حضرته، أما المحجوب فيدل على العجز، لأنه هو الّذي صار مقهورا للغير، إذا عرفت هذا فنقول: إن الحق تعالى غير متناه فى ذاته، و فى دوامه، و فى أزله، و فى أبده، و فى صفاته، و فى آلائه و نعمائه، و الخلق موصوفون بالتناهى فى ذاتهم و صفاتهم، و أفكارهم، و أقطارهم، و المتناهى لا يصل إلى غير المتناهى، فلا جرم كانت العقول مقهورة أبدا فى أنوار صمديته و الأفكار مضمحلة فى بيداء إشراق عظمته، كما قال «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» «١».
القول الرابع: أنه مشتق من لاه يلوه إذا ارتفع، و الحق سبحانه و تعالى مرتفع لا بالمكان، فإن من كان ارتفاعه بالمكان؛ كان مكانه مساويا له فى الارتفاع؛ بل التحقيق أن ذلك المكان يكون مرتفعا بذاته؛ و المتمكن يكون مرتفعا بسبب ارتفاع ذلك المكان؛ فيكون ذلك الارتفاع للمكان بالذات؛ و للمتمكن بالتبع و جل الحق عن أن يكون كذلك، بل الحق سبحانه و تعالى مرتفع عن المكان فلا يكون مكانيا، و عن الزمان فلا يكون زمانيا، فهو متعال عن مناسبة المحدثات و مشابهة الممكنات و تقدير الأوقات و الساعات، و إحاطة الأحياز و الجهات.
______________________________
(١) جزء من الآية ١٨ من سورة الأنعام، ٦١ من الأنعام أيضا.