الإمام الحسين بن علي في الشعر العراقي الحديث - يوسف، علي حسين - الصفحة ١٤٨ - مقدمات المراثي
فالشاعر يربأ بنفسه عن أن يتصابى بعد أن جاوز الأربعين، فلم يعد ذلك لائقاً بعد أن شغل بذكرى الحسين (عليه السلام) وأصحابه، لذلك كثيراً ما قرنت تلك المقدمات بحزن الشاعر، فلم تعد الذكريات تؤنسه بالقدر الذي كانت تثير في نفسه دواعي الإشفاق على عمره الماضي، يقول السيد رضا الموسوي الهندي([٣٦٢]): (من الكامل)
أو بعد ما ابيضَّ القذال وشابا
أصبو لوصل الغيد أو أتصابى
هبني صبوت فمن يعيد غوانيا
يحسبن بازي المشيب غرابا
قد كان يهيدهن ليل شبيبتي
فضللن حين رأين فيه شهابا
............
ولقد وقفت فما وقفن مدامعي
في دار زينب بل وقفن ربابا
فالمقدمة لم تعد وصفاً لمغامرات الصبا، ولا تذكراً لتجارب الشباب، إنما أصبحت حسرة وأسفاً وبكاءً على عمر تولى.
ومهما يكن من أمر فإنَّ مقدمات بكاء الشباب كانت قليلة العدد في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، ولعلَّ السبب في ذلك يعود إلى دواع نفسيّة تتمثّل بالغرائز المتأصلة في النفس الإنسانيَّة، والتي تدفع الإنسان إلى الهرب من كل ما يثير في داخله لحظات الموت، ودنو الأجل([٣٦٣])، ولاسيما أنَّ التقدم في العمر علامة دالة على ذلك، فالتشبث بالحياة طالما دفع ذو الشيبة إلى إخفاء شيبته، والظهور بمظهر الشباب، وإن كان الأمر خلاف ذلك.
[٣٦٢] ديوان السيد رضا الموسوي الهندي: ٤١.
[٣٦٣] ينظر: موسوعة علم النفس: ٢٣٠.