الإمام الحسين بن علي في الشعر العراقي الحديث - يوسف، علي حسين - الصفحة ١٣٢ - توطئة
كأي بناء آخر - ومن البديهي أنَّ إضاءة أي جزء من هذه الأجزاء، ستصب – حتماً – في فهم مجموع الأجزاء الأخرى، وما يتضمنه ذلك المجموع من قيم موضوعية وفنية، مما يؤدي إلى كشف العلاقة البنيوية بين تلك الأجزاء؛ هذه العلاقة التي كانت مدار خلاف كبير بين النقّاد في مدى تحقيقها للوحدة العضوية في القصيدة العربية([٣٢٢])، قد تبدو واضحة في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ تنتظم كل أجزاء المرثية في خيط واحد من الحزن الذي يلف المرثية من البداية حتى نهايتها، وإن بدا الشاعر متغزلاً، أو ذاكراً لأحبته، وأيام شبابه، الأمر الذي يمكن القول معه، إنَّ الوحدة العضويَّة في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) ربَّما كانت أكثر وضوحاً لارتكازها على أساس نفسي قد لا نجد ما يماثله في القصائد الأخرى.
ومما يعزز ما تقدَّم قوله؛ شيوع المراثي الحسينيَّة الطويلة، وغياب المقطوعات في النصف الأول من القرن العشرين، بوصف المرثية الطويلة تمثل وحدة موضوعية تستوعب أحزان الشاعر، وإن تباينت أسباب ذلك الحزن في الظاهر.
ومن المؤكد أنَّ بناء المرثيَّة واختيار شكل دون آخر لا بد أن يستند إلى موضوعية تتعلَّق بالموروث الأدبي بقدر استناده إلى الأسس الذاتيّة المتمثلة بموهبة الشاعر، وقدرته على الإبداع، فإذا كان الشعر" استعمالاً خاصّاً للغة "([٣٢٣]) يفصح عن ذات الشاعر، فإنَّ هذا لا بدَّ أن ينسجم مع الموروث الذي مثَّل جزءاً مهماً من ثقافة الشعراء العراقيين، مما أدّى " إلى بقاء بصمات التراث اللغوي واضحة "([٣٢٤])، لذا فإنَّ
[٣٢٢] ينظر: وحدة القصيدة في الشعر العربي حتى نهاية العصر العباسي: ٥٩.
[٣٢٣] الشعر كيف نفهمه ونتذوقه: ١٢٥.
[٣٢٤] أثر التراث في الشعر العراقي الحديث: ٢٢٩.