محاظرات في الالهيات - الرباني الگلپايگاني، الشيخ علي - الصفحة ٤٩٩
ولما أبصر أُولئك المحدّثين حدّ السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برَّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر [١]والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة.
والذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم يكن هناك في غابر الزمان ـ من عصر الاَُمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أي ضغط على الشيعة، كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية وأن تحذفها من ديوان حياتها، ولكن يا للاَسف انّكثيراً من إخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الاَُمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم فكانوا يوَلّبون العامّة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة، بل لكلّ من يملك شيئاً من العقل، وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادىء المقدسة التي هي أعلى عنده من نفسه وماله والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.
التقية المحرَّمة
إنّ التقية كما تجب لحفظ النفوس والاَعراض والاَموال، إنّها تحرم إذا ترتّب عليها مفسدة أعظم، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الاَجيال الآتية، وتسلّط الاَعداء على شوَون المسلمين وحرماتهم ومعابدهم، ولاَجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقية في بعض الاَحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين.
[١]تاريخ الطبري:٧|١٩٥ـ٢٠٦.