إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٩ - و أما الخلوة
أعنى أسرار العلائق،التي قطعها في أول الإرادة و آثارها،أعنى المال،و الجاه،و حب الدنيا و الالتفات إلى الخلق،و التشوف إلى المعاصي.فلا بد أن يخلى الباطن عن آثارها،كما أخلى الظاهر عن أسبابها الظاهرة.و فيه تطول المجاهدة.و يختلف ذلك باختلاف الأحوال.
فرب شخص قد كفى أكثر الصفات، فلا تطول عليه المجاهدة.و قد ذكرنا أن طريق المجاهدة مضادة الشهوات،و مخالفة الهوى،في كل صفة غالبة على نفس المريد كما سبق ذكره فإذا كفى ذلك،أو ضعف بالمجاهدة،و لم يبق في قلبه علاقة،شغله بعد ذلك بذكر يلزم قلبه على الدوام و يمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة،بل يقتصر على الفرائض و الرواتب و يكون ورده وردا واحدا،و هو لباب الأوراد و ثمرتها،أعنى ملازمة القلب لذكر اللّه تعالى بعد الخلو من ذكر غيره.و لا يشغله به ما دام قلبه ملتفتا إلى علائقه.قال الشبلي للحصرى إن كان يخطر بقلبك من الجمعة التي تأتيني فيها،إلى الجمعة الأخرى، شيء غير اللّه تعالى فحرام عليك أن تأتيني و هذا التجرد لا يحصل إلا مع صدق الإرادة،و استيلاء حب اللّه تعالى على القلب، حتى يكون في صورة العاشق المستهتر،الذي ليس له إلا هم واحد.فإذا كان كذلك،ألزمه الشيخ زاوية ينفرد بها،و يوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال.فإن أصل طريق الدين القوت الحلال.و عند ذلك يلقنه ذكرا من الأذكار،حتى يشغل به لسانه و قلبه فيجلس و يقول مثلا،اللّه اللّه،أو سبحان اللّه سبحان اللّه،أو ما يراه الشيخ من الكلمات فلا يزال يواظب عليه،حتى تسقط حركة اللسان،و تكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك.ثم لا يزال يواظب عليه،حتى يسقط الأثر عن اللسان،و تبقى صورة اللفظ في القلب.ثم لا يزال كذلك،حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ و صورته،و تبقى حقيقة معناه لازمة للقلب،حاضرة معه،غالبة عليه،قد فرغ عن كل ما سواه.لأن القلب إذا شغل بشيء،خلا عن غيره أي شيء كان.فإذا اشتغل بذكر اللّه تعالى،و هو المقصود، خلا لا محالة عن غيره و عند ذلك يلزمه أن يراقب وساوس القلب،و الخواطر التي تتعلق بالدنيا،و ما يتذكر فيه مما قد مضى من أحواله و أحوال غيره.فإنه مهما اشتغل بشيء منه و لو في لحظة،