إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٥ - القلب الثالث قلب تبدو فيه خواطر الهوى
عن اللّه تعالى.و إن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية،لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان و تحريضه إياه على العاجلة،و بتهوينه أمر الآخرة،بل مال إلى حزب اللّه تعالى و ظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه،فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن،أي بين تجاذب هذين الجندين،و هو الغالب،أعنى التقلب،و الانتقال من حزب إلى حزب، أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة،أو مع حزب الشيطان،فنادر من الجانبين، و هذه الطاعات و المعاصي،تظهر من خزائن الغيب،إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب،فإنه من خزائن الملكوت،و هي أيضا إذا ظهرت كانت علامات،تعرف أرباب القلوب،سابق القضاء،فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات،و من خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي،و سلط عليه أقران السوء،و ألقى في قلبه حكم الشيطان، فإنه بأنواع الحكم يغر الحمقى،بقوله إن اللّه رحيم،فلا تبال،و إن الناس كلهم ما يخافون اللّه فلا تخالفهم،و إن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا،يعدهم و يمنيهم و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا يعدهم التوبة،و يمنيهم المغفرة،فيهلكهم بإذن اللّه تعالى بهذه الحيل،و ما يجرى مجراها،فيوسع قلبه لقبول الغرور،و يضيقه عن قبول الحق،و كل ذلك بقضاء من اللّه و قدر فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ [١]إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللّٰهُ فَلاٰ غٰالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [٢]فهو الهادي و المضل يفعل ما يشاء،و يحكم ما يريد،لا راد لحكمه،فاستعملهم بالمعاصي عرف الخلق علامة أهل الجنة و أهل النار،فقال إِنَّ الْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ [٣]ثم قال تعالى،فيما روى عن نبيه صلى اللّه عليه و سلم،[١]«هؤلاء في الجنّة و لا أبالي و هؤلاء في النّار و لا أبالي» فتعالى اللّه الملك الحق لا يسأل عما يفعل و هم يسألون
[١] الانعام:١٢٥
[٢] آل عمران:١٦٠
[٣] الانفطار:١٣